"بول ولفويتز".. من البنتاغون إلى البنك الدولي

تم نشره في الأحد 3 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

 أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش ترشيح نائب وزير الدفاع الأمريكي  "بول وولفويتز" كرئيس للبنك الدولي للإنشاء والتعمير وذلك خلفا للرئيس الحالي المنتهية ولايته "جيمس وولفنسون". حيث فاجأ القرار العديد من الدبلوماسيين وأثار قلقاً لدى عدد من قادة أوروبا والعالم. وهذا القلق أو الغضب يمكن رده إلى مجموعة من الأسباب أو الاعتبارات، التي سيوردها هذا المقال، بعد أن يعرض تسلسلاً تاريخياً بأهم محطات التطور الفكري لـ"ولفويتز"، وأهم رؤاه الفكرية، التي قد تساهم في فهم أفضل للآثار المحتملة على توليه هذا المنصب، أو الرؤية المستقبلية للسلوك السياسي للبنك الدولي.

ولد "بول ولفويتز"، والذي يعد من قيادات المحافظين الجدد في الإدارة الأميريكة، عام 1943 في وارسو، العاصمة البولندية، لأب يهودي، من مؤيدي الصهيونية، أسمه "جاكوب " الذي هاجر إلى الى نيويورك مطلع خمسينيات القرن الماضي. وقد برز "جاكوب" كأحد أشهر اساتذة الرياضيات والاحصاء في الولايات المتحدة. وعمل مستشاراً بحثياً للقوات الأميركية، وقد مكث بعد ذلك في إسرائيل ردحاً من الزمن مدرساً، وتزوجت أخت "بول" الكبرى "لورا" من اسرائيلي، وما زالت تعيش هناك.

بدأ بول تعليمه بعد أن حاز على منحة في جامعة "كورنيل" في الرياضيات والكيمياء، إلا أنه مال أكثر للعلوم السياسية. وهذا الميل أرتبط بأستاذين أميركيين في علم السياسة هما: "الان بلوم"، و"ليفي شتراوس"، أما الأخير فيعد الأب الروحي للمحافظين الجدد في السياسة الأميركية، حيث أنه نظّر للأفكار المحافظة، بعد أن هرب من النازيين، ليدّرس العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، ويشكل مدرسة فكرية محافظة كانت رداً على تزايد منتقدي النظرية الليبرالية في الغرب (أبرزهم المفكر الألماني الأصل "هاربرت ماركوز")، وتدعو إلى ربط الاكاديمي بالسياسي، والايمان بالقوة لمواجهة الحكام المستبدين، وتطبيق العلم في النشاط الاستخباراتي وذلك لفهم ما يجري داخل الانظمة التوتاليتارية المغلقة، وفوق ذلك كله زيادة القوة الأميريكية، وتطبيق النموذج الأميركي للديمقراطية في العالم.

وقد كان من تلامذة "شتراوس": "الآن بلوم"، مؤلف كتابThe closing of the American Mind، ذي النزعة المحافظة، والذي انتقل من جامعة شيكاغو إلى "كورنيل" للتدريس فيها، وفيها تعرف "بول ولفويتز" إلى أفكار المحافظين الجدد، وأفكار "شترواس" فعزم الأمر على الالتحاق بشتراوس في جامعة شيكاغو، مفضلاً إياه على جامعة "هارفرد" وقد سمي، رغم رفضه للتسمية، بقائد الشتراوسيين، رغم أنه لم يدرس على شترواس أكثر من مادتين لأن الأخير كان بصدد التقاعد عندما أنخرط بول في دراسة الماجستير.

ومع حصوله على درجة الماجستير في العلاقات الدولية برز تحول في اهتمامات ولفويتز الأكاديمية، وبدأ يهتم بمسألة التسلح النووي، ولأستاذه "البرت واليستر" الفضل في هذا التحول والذي كان أحد أهم أساتذة مؤسسة راند للأبحاث.

وقد كتب "بول ولفويتز" أطروحته في الدكتوراة عن المشاريع السلمية النووية في الشرق الأوسط، معارضاً أياها، بافتراض أن مجرد امتلاك التكنولوجيا قد يؤدي إلى تطوير الأسلحة.  ومن هنا فقد عارض "ولفويتز" في أطروحته المشروع النووي الاسرائيلي لأنه سيدفع العرب إلى السعي لتطوير قوة نووية ردعية بشكل يدخل المنطقة في سباق تسلح ويهدد وجود إسرائيل، وان وجود السلاح النووي لدى إسرائيل سيضعف قواها التقليدية المتفوقة أصلاً على القوات العربية. وقد لعب هذا التصور دوراً أساسياً في خلق المبرر لشن الحرب على العراق والمتمثل بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.

وقد تقلد "ولفويتز" مناصب عدة منها عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، كما عمل سفيراً للولايات المتحدة في إندونيسيا، ومساعداً لوزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والهادي، إلا أن معظم حياته العملية كانت في البنتاغون حيث عمل كنائب مساعد وزير الدفاع للبرامج الإقليمية، وعمل في وكالة الحد من التسلح ونزع الأسلحة.

وقبل الدخول بتفاصيل ترشيحه للمنصب الجديد بقي أن نذكر أن دخوله عالم السياسة الخارجية الأميركية عملياً كان بدعم اثنين من مهندسي سياسة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي "دين أتشيسون" وزير الخارجية في إدارة الرئيس "هاري ترومان"، ومدير دائرة العلاقات الخارجية لوزراة الخارجية لذات الإدارة، "بول نيتزي" واللذين استقطبا، بالاضافة إلى ولفويتز، شابا آخر هو "ريتشارد بيرل" صاحب نظرية محور الشر، وأحد أهم الصقور في الإدارة الأميريكية ووزارة الدفاع. وقد شكلاً ثنائيا مكملاً لبعضهما البعض في توجيه السياسة الأميريكية في العديد من المحطات، ولعل أهمها الدفع بقوة لضرب العراق.
خلفية "ولفويتز" الفكرية هذه لعبت دوراً أساسياً في تفاجؤ الدبلوماسيين لترشيحه لرئاسة البنك الدولي، وذلك لاعتبارات عدة، كما ذكرنا.

أولى الاعتبارات هي حساسية هذا المنصب وأهميته، فالبنك الدولي، وباعتبارها منظمة دولية تمويلية مهمتها رسم السياسيات الرامية إلى معالجة الفقر في العالم ومساعدة الدول النامية بما تقدمه لها من قروض ميسرة على تحقيق التنمية الاقتصادية.

وبالتالي فانه يفترض فيمن يتولى هذا المنصب أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط ليس اقلها الخبرة في قضايا الاقتصاد السياسي الدولي ومشروعات القطاع العام والخاص، إضافه إلى احتفاظ المرشح لهذا المنصب بعلاقات ودية وايجابية مع معظم قادة ودول العالم. إلا أن هذه الشروط أو المؤهلات، قطعاً، غير متوافرة في شخصية وولفويتز القادم من البنتاغون، بعد أن أمضى أربع سنوات من التنظير للحرب على العراق، كما ذكرنا، والمعروف بنزعته نحو استخدام القوة العسكرية وبصورة أحادية الجانب لتحقيق المثال الأمريكي في مختلف دول العالم.

وأما الاعتبار الثاني المثير للقلق من تعيين "ولفويتز" كرئيس للبنك الدولي فيظهر في الخوف من إضفاء طابع إيديولوجي على سياسات البنك وآليات عمله، أي بعبارة أخرى الخوف من تحويله إلى أداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية. فالبنك، كما اشرنا، مهمته تقديم القروض للدول الأعضاء المحتاجة ، وهو ذو رأسمال كبير يتكون من مساهمات أو حصص الدول الأعضاء.

وقراراته بتقديم القروض أو منعها تتخذ بالتصويت، وقوة التصويت للدول الأعضاء في البنك ليست متساوية وإنما تتناسب طردياً (أي زيادة ونقصاناً) مع المساهمات أو الحصص التي تمتلكها الدول الأعضاء في رأسمال البنك. والولايات المتحدة تمتلك اكبر حصة في رأسمال البنك ولهذا فإنها تمتلك حالياً 17% من قوة التصويت، في الوقت الذي تمتلك فيه جميع الدول الأوروبية الأعضاء 30% من قوة التصويت .

وفي ظل وجود ولفويتز على رأس السلطة في البنك، يصبح من المحتمل جداً أن يتحول البنك في بعض قراراته إلى وسيله للثواب والعقاب، أي بعبارة أخرى مكافأة حلفاء والولايات المتحدة وأصدقائها أو معاقبة أعدائها بحرمانهم من القروض والمساعدات. وهذه الملاحظة، وعلى ما يبدو تتسق، والأجندة والأولويات لإدارة الرئيس الأميريكي الثانية، بنشر المثال الديمقراطي والإصلاح في العالم، ولذا يتوقع أن يستخدم البنك كسلاح للتأثير في الدول لإقرار تحولات سياسية ديمقراطية، من منطلق منطق العصا والجزرة المعروف.

فقد كتب "ولفويتز" ذات مرة في هذا السياق، وبما يتفق مع رؤيته الشترواسية للقيادة القوية، قائلاً: "إن احد الدروس الواجب تعملها عند رسم السياسة الخارجية الامريكية هو اهمية القيادة ومكوناتها، ذلك ان القيادة ليست خطباً ولا شعارات ولا مطالب، إنما هي ان تظهر لاصدقائك القدرة على حمايتهم والعناية بمصالحهم، وأن تظهر لاعدائك قدرتك على معاقبتهم، وأن تظهر لأولئك الذين امتنعوا عن تقديم العون والمساندة انهم سيندمون على ذلك".

ورغم الاعتبارات السابقة إلا أنه من المتوقع ان يوافق الأوروبيون على هذا الترشيح (مثلما وافقوا على جون بولتون سفيراً للولايات المتحدة لدى الامم المتحدة)، وأن ينصب "ولفويتز" رئيساً للبنك الدولي في أيار المقبل ليثبت للعالم أجمع ان اهم المؤهلات للوصول الى قمة البنك الدولي أو أي مؤسسة، ليست الخبرة الاقتصادية أوالعلاقات الودية، وإنما هي في امتلاك "تزكية الرئيس جورج بوش"، كما كتب أحد المعلقين.

التعليق