حقائق العلم .. والعالم الثالث

تم نشره في الجمعة 1 نيسان / أبريل 2005. 04:00 صباحاً

تشتد وتيرة السباق بين الدول الكبرى على مختلف الاصعدة والمجالات ، حيث تعمل كل منها على دفع عجلة التطور بما يتجاوز قدرة العقل البشري على تخيله بأي شكل كان. قبل عقود كان الحديث عن شبكة اتصالات لاسلكية كالهاتف الخلوي اضغاث احلام  لا اكثر،  إلى ان باتت سلعة متداولة في اقل الاسواق فقرا في العالم.


واليوم تفاجئنا المملكة المتحدة بتطوير جراحي اجرته على احد المواطنين البريطانيين مصاب بشلل كلي حيث تمكن خبراء الجراحة من زرع وصلة معدنية مرتبطة بجهاز كمبيوتر خارجي تؤهل المريض لتحريك فأرة الكمبيوتر بمجرد تخيله ليده تتحرك اليها. مثل هذا الانجاز الجراحي رغم حداثته، لكنه يمثل فتحا بشريا قد يجعل من جهاز الكمبيوتر جزءا حيا من العقل البشري قادرا على تحليل موجاته وتشغيله بمستويات اكبر بكثير مما يتمكن العقل تحقيقه الآن.


وثمة انجازات علمية أخرى حققتها البشرية خلال السنوات الاخيرة من شأنها إعادة  النظر بالعديد من المفاهيم التي اعتقدت حضارات العالم بقطعيتها عبر الوف السنين. وتمثل هذا الانجاز بتمكن العلماء من إطلاق بالون بسعة تسعة وثلاثين مليون قدم مكعب الى طبقات الغلاف الجوي العليا لرصد ما نسميه (العدم او اللاشيء) وبالاصطلاح العلمي (مضاد المادة)  .


الحديث عن هذا الشأن قبل عقود كان ضربا من الخيال العلمي حتى تمكنت وكالة الفضاء الاميركية من اثبات وجود "اللا مادة" بطرق عدة منها المسارعات النووية كالتي في سويسرا. واهم ما في هذا الانجاز ان التطور الذي جرى عليه  لم يقف عند حدود الاثبات بل تعداه الى التطبيق العلمي حيث بات يستخدم في اجهزة التشخيص الطبي الحديثة للكشف عن الامراض المستعصية كالاورام السرطانية وغيرها ومعالجتها بإعدام الخلايا المصابة حين يتصادم الموجود بنقيضه وصولا لعملية الافناء.


تلك الانجازات العلمية تعكس الخطوات الهائلة التي استطاع العقل البشري في الدول المتقدمة تحقيقها في العقود الفائتة وحجم الهوة الحضارية التي باتت تفصل تلك الدول عن المعتقدات السائدة في دول العالم الثالث. وقد أخذ التطور العلمي المتسارع يلقي على دول العالم ككل عبء التكيف مع تلك المتغيرات بما لا يفضي الى رفض تلقائي للقيم العلمية إذا ما تناقضت مع الاعتبارات الاخلاقية والدينية لشعوب العالم.


عندما ينشغل العلم في الدول المتقدمة بالاكتشاف والاختراع والتطور فهذا يعني ان ثمة حقائق مقبلة على دول العالم النامية قد لا تستطيع نقلها الى مجتمعاتها بحكم خصوصياتها الفكرية والثقافية وإلى ما هنالك.

 ومثل هذا الامتناع عن التقبل لم يعد يفيد دولنا بشيء إذا ارادت الالتحاق بركب الحضارة العالمية بل ان واجبها فرز الحقائق حتى يصبح تمييزها عن القيم الاخرى امرا ممكنا ومنسجما مع حقائق الحياة الاخرى.

 ثمة شواهد عالمية عديدة على دول استطاعت "كاليابان مثلا" تحقيق تلك القفزة ومجاراة العالم الغربي دون الاضطرار الى التنازل عن قيمها الاجتماعية الثقافية والحضارية لا بل استطاعت اليابان ومعها عدد من النمور الاسيوية التفوق بالعديد من المجالات العلمية على الدول الغربية رغم حفاظها على كل القيم الحضارية الموروثة لديها على مر التاريخ.

ولكن ما تميزت به الدول الاسيوية من مقدرة فائقة في التوفيق بين حضارتين فشلت به العديد من دول العالم الثالث وبالذات مجتمعنا العربي حيث يقف الحديث عن العلم والمعرفة بما لا يتعدى الحواجز النفسية التي نفرضها على انفسنا. غير ان حركة التطور ستبقى سائرة وبخطوات اكثر تسارعا وعلى الداعين الى العولمة والانفتاح خلق المناخات الاجتماعية المناسبة لتقبل الحقائق العلمية لأنها حق للجميع.

التعليق