لماذا فشل الذين اغتالوا الحريري؟

تم نشره في الأحد 27 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

لم يترك التقرير الذي وضعته بعثة تقصي الحقائق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري شاردة او واردة الا وتطرق اليها. وفي التقرير الذي تسلمه الامين العام للامم المتحدة كوفي انان من رئيس البعثة الشرطي الايرلندي بيتر فيتزجيرالد ما يكفي لشرح الظروف التي ادت الى اغتيال الحريري. وقد حمل التقرير الحكومة السورية واجهزتها والسلطات اللبنانية كلها مسؤولية خلق الاجواء التي ادت الى الجريمة والتقاعس في المرحلة التي تلتها. وهذا يعني ان السلطتين اللبنانية والسورية تتحملان بطريقة غير مباشرة مسؤولية ما حصل.

لا داعي للدخول في تفاصيل التقرير الذي يمكن للمرء ان يقرأه بشغف (يقع في 21 صفحة) الا ان الواضح ان اهميته تكمن في ان الذين اغتالوا رفيق الحريري اخطأوا في تقديراتهم وفشلوا فشلاً ذريعاً في تغطية الجريمة.

اخطأوا في تقديراتهم لانهم لم يدركوا ان مجلس الامن سيتحرك بهذه السرعة وسيرسل لجنة لتقصي الحقائق الى لبنان، وان هذه اللجنة ستخرج بمثل هذا التقرير الذي يسمي الاشياء باسمائها، بما في ذلك ايراد ما قاله الحريري للذين التقاهم بعد اجتماعه الاخير مع الرئيس بشار الاسد الذي اضطر بعده رئيس الوزراء اللبناني السابق الى التصويت لمصلحة التمديد لولاية الرئيس اميل لحود خلافاً لما يعتقده ويؤمن به. وذهب التقرير الى حد القول انه طلب من الجانب السوري موعدا للمقارنة بين ما سمعه من الذين التقوا الحريري لكن السوريين امتنعوا عن تحديد الموعد (الصفحة الخامسة من التقرير).

اما الفشل في تغطية الجريمة فانه عائد الى وجود رغبة دولية في كشف ملابساتها وذلك خلافا للجرائم الاخرى التي ارتكبت في لبنان قبل توقيع اتفاق الطائف في العام 1989 وبعده. وفي هذا السياق يبدو واضحاً ان الخطوة المقبلة لمجلس الامن ستتمثل في تعيين لجنة تحقيق دولية تتمتع بكل السلطات التي تطلبها من اجل التمكن من اجراء المطلوب منها بهدف القاء كل الضوء على الجريمة. والقاء كل الضوء يعني تحديد المخططين والمنفذين الذين كانوا يتمتعون بحرية كاملة في الحركة في بيروت. والا كيف يمكن لهؤلاء تفجير موكب رفيق الحريري الذي لم يسلك الطريق التي سلكها يوم 14 شباط/فبراير الماضي سوى ست مرات خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة (الصفحة التاسعة من التقرير)؟ ان عملية بهذه الدقة تستهدف موكب الحريري تعني بكل بساطة ان المخططين والمنفذين موجودون على الارض واستطاعوا ملاحقة الموكب منذ انطلق من امام مبنى مجلس النواب اللبناني الى المكان الذي بلغه.

ليس في الامكان توجيه التهمة الى احد، لا الى سورية ولا الى السلطات اللبنانية، لكن الاكيد ان الذين اغتالوا الحريري لن يجدوا يوم راحة بعد صدور تقرير البعثة الدولية، خصوصاً ان التقرير حدد بدقة ما يجب عمله مستقبلاً من اجل ان تكون الاجهزة الامنية فعالة. واول ما حدده في هذا المجال ضرورة الا تعود هذه الاجهزة مرتبطة باجهزة غير لبنانية.

لعل اخطر ما في التقرير انه يبدي مخاوف على مستقبل لبنان وذلك عندما يخلص الى القول: "في النهاية، ترى البعثة ان ثمة حاجة الى دعم سياسي دولي واقليمي للمحافظة على وحدة لبنان وحماية بنيته السلطوية الهشة في وجه الضغوط غير المبررة. ان تحسين احتمالات السلام والامن في المنطقة سيوفر ارضاً اكثر صلابة لاستعادة الوضع الطبيعي في لبنان".

ان هذه الخلاصة تشير الى وجود رغبة في عدم ترك لبنان فريسة الصراعات الاقليمية مرة اخرى كما انها دعوة الى توفير دعم دولي واقليمي للمحافظة على وحدة البلد. واذا كان من تفسير لهذا الكلام فهو ان الذين يقفون وراء اغتيال رفيق الحريري لن يفلتوا من العدالة من جهة وان العالم لن يتخلى عن لبنان من جهة اخرى. انه خطأ في الحسابات مرده الى ان الجهة او الجهات الفاعلة كانت تعتقد ان اغتيال الحريري جريمة عادية وان زعماء آخرين اغتيلوا في لبنان ولم يحصل شيء ولم يلاحق احد. هذه المرة تبدو الامور مختلفة جذرياً ليس بسبب حجم الرجل الذي اغتيل فحسب، بل لأن الظروف الاقليمية مختلفة أيضا. كانت حسابات المجرمين بائسة، ومن الآن وبعد صدور التقرير الذي اعدته البعثة الدولية يتبين كم فشلهم كبير.

التعليق