أميركا والأصولية

تم نشره في الثلاثاء 22 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


    منذ الحادي عشر من أيلول سنة 2001، والحرب الأميركية في العالم تدور تحت عنوان " الحرب ضد الإرهاب "، الذي تحدَّد في الأصولية الإسلامية.

 والبديل الأميركي كما هو مطروح هو " الديمقراطية والحرية ". وفي إطار ذلك خاضت الدولة الأميركية حروباً، واحتلت دولاً، ونشرت جيوشها في مناطق واسعة.


    وإذا كانت الحركة الأصولية قد تحالفت منذ البدء مع " الغرب "، تحت مبدأ محاربة الإلحاد الذي يشمل كل الاتجاهات العلمانية والقومية والاشتراكية.

فقد دعمت الدولة الأميركية هذه الحركات، وتفاعلت معها طيلة عقود. وحينما تورّط السوفييت في أفغانستان دفعت لتأسيس " الحركات الجهادية "، ودرّبتها بعد أن فرضت على الدول النفطية تغطية تكاليف نشاطها، ومدّها بالمجاهدين. وكان الشعار العام هو " تحالف الإيمان ضد الإلحاد ".


    وبعد انسحاب السوفييت وانهيار الإتحاد السوفييتي، يقال أنها تخلّت عن المجاهدين، ومن ثَمّ صعّدت من التأكيد على خطر " الأصولية الإسلامية ".

وكانت سنوات التسعينيات هي سنوات الإشارة المضطردة لتنامي " الخطر الأصولي ".

 وفي الوقت الذي ظلّت فيه تدعم الأصولية في الجزائر والشيشان، كانت تشير إلى خطر بن لادن وتنظيم القاعدة.


    وبعد الحادي عشر من أيلول أعلنت " الحرب ضد الإرهاب "، وبدأت بمطاردة المنظمات الأصولية في العديد من دول العالم، من أفغانستان إلى إندونيسيا والفلبين واليمن والصومال.

 ولم يُشر إلى تنظيمات غير إسلامية إلا بهدف التعمية واللفلفة.


    لهذا يبدو وكأن الدولة الأميركية حاملة لمشروع حداثيٍّ كبير.

 وأنها باتت تضيق ذرعاً بحليفها الأصولي القديم. وأن عولمتها تفرض أن تعمّم الديمقراطية وتنتشر الحرية ( أي حرية اقتصاد السوق ).

ومن ثَمّ أنها تسعى لكنس البنى التقليدية التي باتت عتيقة، من أجل مدنية حديثة.


    لكننا سنلحظ بأن " الحرب على الإرهاب " التي تخوضها، والتي تقول أنها تسعى لبناء أنظمة ديمقراطية في الدول التي تحتلّها والتي لا تحتلّها عبر الضغط والتخويف.

 أن هذه الحرب لها هدف أساسيّ هو تمكين ما تسميه: الأغلبية الإسلامية المعتدلة. بمعنى أن الديمقراطية التي تُفهم هنا حكم الأكثرية بالمعنى الديني وليس بالمعنى السياسي، هي تلك التي تعيد تكريس البنى التقليدية والحركة الأصولية، وإن بات يُلصق بها تعبير: المعتدلة.


    لقد كان بن لادن معتدلاً وهو يحارب " الكفر "، وكان الطالبان معتدلين وهم يسعون لترتيب وضع أفغانستان من أجل ضمان مدّ خط أنابيب النفط من بحر قزوين إلى المحيط الهندي.


    والآن يجري التحضير لأشكال أصولية أخرى كي تحكم. في العراق يجب أن تحكم أصولية شيعية. وفي سورية سنية. وهكذا في مصر ودول أخرى.

كما يجب أن تتمايز الطوائف والأديان لتشكّل كل كتلة " إقليماً " يحظى باستقلالية في إطار بات يقوم على الفدرالية، التي تحوّلت من شكل لتنظيم العلاقات الإدارية داخل الدولة، إلى علاقة بين قبائل وطوائف وأديان وإثنيات. وفي كل منها تهيمن " أغلبية " ما، هي في الواقع أصولية.


    وبالتالي فإن " الحرب على الإرهاب " هي من أجل انتصار الأصولية، وليس من أجل الديمقراطية والحرية.

لأن إنتشار الأصولية، وربط النشاط السياسي بالطوائف والأديان والإثنيات لا يبقي مكاناً للقوى الديمقراطية والقومية والماركسية. إضافة إلى أنه يلغي أساس الديمقراطية الذي هو مبدأ المواطنة.


    المشروع الأميركي ، الذي يُقاد من أصوليي المحافظين الجدد، يسعى لتعميم الأصولية وليس إلى اجتثاثها.

إنه يطرح اجتثاث البعث لكنه لا يطرح اجتثاث الأصولية، لأنه أصولي ويسعى لتعميمها.

خصوصاً أن برنامج الأصولية الاقتصادي لا يتناقض مع رؤية الرأسمال لوضع الأطراف، حيث سيادة الاقتصاد الطفيلي الذي يعتمد على التجارة وينفتح لنشاط الشركات الاحتكارية، ويلغي أي دور للدولة في التطوير الاقتصادي.

 وفي المستوى السياسي الاجتماعي يكرّس الاستبداد الشامل، أي الذي يكرّس كل الموروث المتخلّف، ويكون سدّاً أمام الأفكار الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية.

التعليق