الأردن يدفع ثمن دفاعه عن وحدة العراق

تم نشره في الثلاثاء 22 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

    اقل ما يمكن ان توصف به الحملة التي تشنها اوساط داخل العراق على الاردن بأنها مفتعلة, ذلك ان هذه الاوساط التي ترفع شعارات معادية للمملكة انما هي مدينة لها ولو جزئيا في استعادة الشعب العراقي حريته والتخلص من نظام المقابر الجماعية, هل ينطبق على الموقف من الاردن المثل الفرنسي القائل: هناك خدمات كبيرة الى درجة لا يمكن الرد عليها الا بنكران الجميل؟


     قبل كل شيء لا وجود لدليل على ان للسلطات الاردنية او للاردن كبلد اي علاقة بالعملية الانتحارية التي شهدتها الحلة والتي راح ضحيتها ابرياء عراقيون, على العكس من ذلك ان الحدود بين الاردن والعراق تعتبر الحدود الوحيدة المضبوطة بطريقة محكمة منعا لتسلل اي مجموعات ارهابية في هذا الاتجاه او ذاك, يفعل الاردن ذلك من منطلق حرصه على حماية العراق مثلما انه حريص على حماية أمنه خصوصا في وجه التنظيمات المتطرفة, هل يعقل ان يشجع الاردن, كما يدعي الذين تظاهروا امام سفارته في بغداد تنظيمات اسلامية متطرفة وهو الذي عانى اكثر من غيره وقبل غيره من هذه التنظيمات وتعرض لأكثر من عملية ارهابية خطط لها كي تستهدف منشآت اردنية مدنية وغير مدنية؟


     لحسن الحظ, استطاعت المؤسسة الامنية الاردنية احباط العمليات الارهابية وقبضت على كثيرين من الذين يقفون خلفها كما كشفت الجهات التي توجهها من خارج الحدود الاردنية.


    ما يجب قوله وبالفم الملآن ان الاردن لا يحتاج الى دروس من احد وهو لم يتقاعس يوما عن أداء دوره تجاه العراق وكان ملجأ لكل العراقيين الى اي حزب او طائفة انتموا خلال التسعينيات حين كان هؤلاء العراقيون يهربون الى اراضيه بسبب ممارسات النظام.... وان بعض هؤلاء يرد له الجميل هذه الايام.


     اذا كان هناك في العراق من يريد الشكوى من الاردن لسبب او لآخر, عليه ان يفكر اولا في الحدود المفتوحة على مصراعيها امام دخول عناصر ارهابية الى الاراضي العراقية, عليه ان يفكر في الحدود مع سورية ومع ايران خصوصا ان عشرات الآلاف يدخلون يوميا الاراضي العراقية آتين من ايران, هل يصعب ان يكون بين هؤلاء مئات الارهابيين من تنظيمات متطرفة, هذا من دون الحديث عن العناصر الامنية الايرانية ؟


     آن اوان تسمية الاشياء باسمائها، ومعنى ذلك: انه آن اوان القول أنّ في العراق من يريد تصفية حساباته مع الاردن لأسباب قد تكون شخصية احيانا، هذه حال احمد الجلبي الذي صدر عليه حكم غيابي في الاردن وهو يعتبر انه يستمد اهميته من انه يلعب دور الجسر بين صقور الادارة الاميركية من جهة والجهات الامنية الايرانية من جهات اخرى.


      اضافة الى الجلبي واعوانه, هناك في العراق من يسعى الى تنفيذ اوامر ايرانية وغير ايرانية في وقت تعتقد ايران ان عليها اظهار ان لديها اوراقها في مواجهة الضغوط التي تمارس عليها لتفادي حصولها على سلاح نووي, كل ما في الامر ان الاردن يرفض اللعبة الايرانية, وما يرفضه خصوصا هو القبول بهذه اللعبة الانتهازية واسمها الاستفادة من الحرب الاميركية على العراق وتسهيل عملية اسقاط النظام البعثي بواسطة الاميركيين بغية السيطرة على العراق والحياة السياسية فيه حتى لو ادى ذلك في المدى الطويل الى تقسيم البلد.


     هل يدفع الاردن حاليا ثمن مواقفه المبدئية التي على رأسها المحافظة على التوازنات الداخلية في العراق والعمل على حماية الوحدة الترابية للبلد وعلى دوره العربي بدل ان يتحول العراق إلى مجرد "ساحة" للنفوذ الايراني وغير الايراني.


     باختصار شديد ان الحملة التي يتعرض لها الاردن في العراق ليست بريئة وهي حملة خطط لها خارج العراق. الا ان الأكيد ان هذه الحملة تسيء الى العراق والعراقيين اكثر مما تسيء الى الاردن الذي لم يتردد يوما في دعم كل عراقي مظلوم ايا تكن الجهة التي ينتمي اليها وبغض النظر عن مذهبه, ومن هذا المنطلق دعا الاردن وبلسان الملك عبدالله الثاني قبل ثلاثة اسابيع من الانتخابات الى "مشاركة جميع العراقيين في الانتخابات" وقال "انا هنا لا اتحدث عن سنة وشيعة بل اتحدث عن جميع العراقيين", ومعنى هذا الكلام: ان الاردن وبلسان ملكه دعا الشعب العربي العراقي الى تحدي الارهاب والارهابيين والانحياز للديمواقرطية, هل هذه المكافأة التي يحصل عليها الاردن بتشجيعه العراقيين على تحدي الارهاب?


    سيتعرض الاردن لمزيد من الحملات مصدرها اولئك الذين يعملون على تحويل العراق مجرد "ساحة" يسعون من خلالها الى اظهار مقدار ما يمتلكون من نفوذ اقليمي على حساب العراق الديمقراطي والموحد, لكن ذلك لن يمنع المملكة من التمسك بمواقفها الثابتة وفي مقدمتها الحرص على أمن العراق باعتباره جزءا من امن الاردن والحرص على العلاقات التاريخية القديمة بين البلدين.


    كذلك, سيسعى كثيرون في العراق, خصوصا ادوات ايران وغير ايران الى مزيد من التصعيد مع الاردن, الساعي الى ادخال بعض العقلانية الى طريقة معالجة الوضع ان في العراق او في لبنان او في فلسطين حرصا على العرب وما بقي من العروبة.


     لكن المؤسف وسط كل ما يجري ذلك الغياب العربي عن كل ما يدور في المنطقة في وقت لم يعد معروفا, هل كثير على القمة العربية ان تقدم ولو لمرة على نقلة نوعية فتعتمد لغة جديدة في مخاطبة العابثين بأمن العراق ولبنان وفلسطين عبر القول لهم وبالاسم ان كفى تعني كفى وان لعبتهم صارت مكشوفة, وانها لا تصب الا في مصلحة اسرائيل, ربما كانت مشكلة الاردن انه تجرأ على عمل ذلك في وقت صارت الوطنية هي الخيانة والخيانة هي الوطنية والسعي الى المحافظة على العراق وما بقي من عروبته جريمة لا تغتفر.

التعليق