معركة الكرامة: ذكريات وملاحظات

تم نشره في الثلاثاء 22 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

    عندما وقعت معركة الكرامة كنت مديراً لفرع إسرائيل في دائرة المخابرات العامة، وكان المرحوم العقيد غازي عربيات مديراً للاستخبارات العسكرية، وكان الفريق الركن عامر خماش رئيساً لهيئة الأركان في القوات المسلحة الأردنية، وكانت الأجهزة الاستخبارية على اطلاع دقيق على النوايا الإسرائيلية وعلى الحشود العسكرية على الجانب الغربي من نهر الأردن، وعلى توقيت الهجوم بمنتهى الدقة، مما حدا برئيس هيئة الأركان الفريق الركن عامر خماش الطلب من مدير الاستخبارات العسكرية المرحوم العقيد غازي عربيات الاتصال بالسيد عرفات رئيس منظمة فتح أهم المنظمات الفلسطينية التي كانت تتخذ من الأردن مقرا لها وإبلاغه عن الهجوم الإسرائيلي القادم، وأن يطلب منه إخلاء المنطقة من العناصر الفدائية في تلك الليلة ليلة 20/21 آذار سنة 1968 ليجنبهم وقوع خسائر هم في غنى عنها، فالمعركة ستكون معركة بين جيوش نظامية بكامل أسلحتها، وهكذا كان فقد تم إخلاء معظم الفدائيين الذين تواجدوا في قاطع المعركة تلك في سيل الزرقاء شمالاً إلى البحر الميت جنوباً، وبقي في ذلك القطاع من الفدائيين المقيمين في المنطقة مع عائلاتهم.


    صباح ذلك اليوم 21/3 كما هو متوقع عبر الجيش الإسرائيلي نهر الأردن متجهاً إلى المرتفعات الشرقية للنهر وعلى ثلاثة محاور رئيسة، وقد تقدمت والتقى المحوران الشمالي والأوسط عند بلدة الكرامة، فالتجأ من بقي من قوات المنظمات الفلسطينينة إلى مسجد البلدة، وحيث تجمع ما يقرب من تسعين عنصراً استشهدوا جميعاً هناك داخل المسجد، وقد حاولت مجموعة أخرى الخروج باتجاه مرتفعات السلط ولكنهم وقعوا في كمين إسرائيلي على مشارف بلدة الكرامة واستشهدوا جميعاً أيضاً.


    عند الساعة السابعة صباحاً كان الجيش الإسرائيلي قد احتل الكرامة ودمرها بالكامل، ولكن المعركة استمرت بين القوات المسلحة الأردنية والجيش الإسرائيلي الغازي طيلة ذلك اليوم، واستعمل الجيش الأردني كل ما لديه من مدفعية ودروع واستطاع أن يوقف الزحف شرقاً وأن يعيد الإسرائيليين إلى غرب النهر مساء ذلك اليوم وتحت القصف المدفعي الشديد المستمر، وتحت القصف الجوي الإسرائيلي المستمر أيضا.


    كانت المعركة بشقيها السياسي والعسكري تدار مباشرة من القيادة العليا للجيش وبإشراف مباشر من جلالة القائد الأعلى الذي رفض الموافقة على هدنة ساعات طلبها الإسرائيليون في منتصف ذلك النهار لإخلاء خسائرهم وأصدر أوامره الحازمة باستمرار القتال حتى يخرج آخر جندي إسرائيلي من الضفة الشرقية للنهر، وهكذا كان.


    واستمرت المعركة من السابعة صباحا وطوال النهار، وشاهد الأردنيون التعزيزات الأردنية، حتى إن الدبابات كانت تأتي من جميع المحاور الثلاثة مقودة بقوة الجنازير، وتحت القصف الجوي الإسرائيلي الذي رافقها طوال الطريق، وكانت حالة فريدة من نوعها، وسجل فيها الجنود الأردنيون شجاعة نادرة، ولم يتوقفوا عن المقاومة.


    وفي منتصف النهار كان الإسرائيليون قد تكبدوا خسائر كبيرة قرب النهر في المناطق التي حشدوا فيها، وتكبدت القوات الإسرائيلية أيضا خسائر كبيرة في داخل الشونة الجنوبية، وقد نقلت الدبابات والآليات إلى عمان وعرضت في منطقة المحطة.


    وعندما طلب الإسرائيليون وقف إطلاق النار كانت قواتهم ما تزال في الضفة الشرقية، في مثلث المصري والكرامة والشونة الجنوبية والبحر الميت، وتكبدت في هذه المناطق خسائر كبيرة، وقد نقلت بعض الدبابات والآليات المعطوبة إلى عمان وعرضت في منطقة المحطة، ولكن الملك الحسين رفض وقف إطلاق النار إلا بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي من الضفة الشرقية، وبالفعل ظل القصف الأردني مستمرا إلى أن تم الانسحاب الكامل.


     كانت إسرائيل تهدف من وراء هذه الحملة السيطرة على المرتفعات الشرقية، ثم المساومة من موقع الاحتلال والسيطرة لفرض مواقف وشروط جديدة على الجانب الأردني.


    وقد روى لي السيد نديم الزرو وكان رئيسا لبلدية رام الله ثم عين فيما بعد وزيرا للنقل أن الحكومة الإسرائيلية استدعتهم لإطلاعهم على مجريات المعركة، وقد شاهد بنفسه طائرات الهيلوكبتر الإسرائيلية وهي تنقل الجنود القتلى والمصابين، وبعد فترة من الانتظار في مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية أخبرهم الإسرائيليون أن البرنامج قد ألغي.


     كانت معركة الكرامة كلها للجيش الأردني، وانتصر فيها، ولم تكن هناك مشاركة للمنظمات الفدائية، وأنا اعرف ماذا أقول، لأنها كانت معركة جيوش، وكانت كل قوة الجيش الأردني موجودة، وبخاصة المدفعية الثقيلة، وكانت شجاعة الجندي الأردني وثباته في المعركة أساس النصر في هذه المعركة، وهي أول انتصار للعرب بعد حرب عام 1967.


     لقد تناول المعلقون والكتاب تلك الذكرى بمواقف وآراء مختلفة، وبإسهاب حيناً، وبإيجاز حيناً آخر. وقد توزعت آراؤهم بين إعطاء الدور الأساسي والرئيسي للقوات المسلحة الأردنية حيناً، ولحركة المقاومة حيناً آخر أو بين إعطاء ذلك الدور مناصفة ترضية للطرفين.


    وإنني أرجو من المنظرين والمؤرخين ومن حملة العصا من وسطها أن يشيروا إلى اشتباك واحد فقط حدث بين قوات المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي بعد السابعة من صباح ذلك اليوم.


    أعتقد أنه آن الأوان أن نسمي الأشياء بمسمياتها وأن نضع النقاط على الحروف فليس مقبولاً من أحد بعد الآن أن يساوم على قضايا أمته وعلى مسيرتها وتاريخها إرضاءً لتلك الجهة أو نفاقاً لجهة أخرى.

التعليق