تجنبا لمائة عام من العزلة

تم نشره في الثلاثاء 22 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


     قبل أكثر من ثلاث عقود من عمر الرواية، صرخ العقيد أوريليانو بوينديا –بطل رائعة ماركيز "مائة عام من العزلة"- فقال : انظروا البلاء الذي جلبناه لأنفسنا لمجرد أننا دعونا أميركيا لأكل الموز عندنا!!


    عبارة العقيد الدموي المستبد والثائر بطل رواية ماركيز أعادتني إلى الأوراق الأميركية حين تأسست لأول مرة في التاريخ فكرة الدولة الأميركية، وفي تلك الأوراق التاريخية القديمة، المساجلات حول فكرة الدولة وشكلها وتفاصيل روحها الداخلية لمن يسمون بالآباء المؤسسين والذين يكن لهم الأميركيون جل الاحترام وهم على حق بذلك!


       في تلك الأوراق، وفي ذلك التاريخ المبكر، كان ألكسندر هاملتون هو عراب فكرة التحالف الوثيق بين السياسة والأعمال، وهذا الترابط الكاثوليكي الوثيق بين رجال الأعمال ورجال السلطة، مما شكل النواة لما نراه اليوم من سلطة مال تطغى بل وتصنع سلطة السياسة، وإزاء هاملتون وقف بعنف توماس جيفرسون الداعي إلى الحكم الديمقراطي البحت، والشفافية مع كل طبقات وأفراد الشعب، لكن ما حسم الأمر في النهاية هو انحياز الرئيس جورج واشنطن وهو بمثابة الزعيم الروحي للأمة الناشئة إلى صف هاملتون وفكرته بأن من يملكون المال هم من يحكمون!


        فهم هذا البعد في الذهنية الأميركية مهم وحيوي، لا لنقده، فهو فهم قائم بحد ذاته شكل لديهم نمط حياة لا بد من احترامه وإن لم يتوافق مع أنماطنا وفهمنا، لكن فهمه واستيعابه جيدا مهم وحيوي لبناء أسس جديدة في التعاطي مع السياسة الأميركية تتفق ومصالحنا وتتماهى مع ما نريد في عالم أضحى قرية صغيرة لكن بمنطق الغابة الكبيرة.


        فلسفة المنفعة، هي لب وجوهر الذهنية الأميركية، وعليها قامت فكرة المصلحة المتبادلة، والاقتصاد المشتبك بشراسة مع السياسة في الحياة الأميركية يفرض قانونه الخاص في العلاقات الخارجية، وعليه فإن الحديث الموضوعي والمتزن القائم على هذا الإدراك هو الذي يلقى أذنا صاغية، وفي عالم يتدفق من خلال كبسة زر وألياف ضوئية، فإن سرعة التقاط الفهم تغدو حالة سباق مع الزمن.


       مناسبة الحديث ببساطة، إعجاب لا متناهي بالفهم والإدراك الواسع الشامل لكل زيارة ملكية إلى الولايات المتحدة التي تكون واشنطن العاصمة فيها محطة من المحطات، والتي تشمل أيضا ما يترجم هذا الفهم الذكي لمعنى الاقتصاد والسياسة في الذهنية الأميركية.


       نحن بحاجة إلى فهم مواز على مستوى الحكومات لترجمة تلك الزيارات إلى فرص عملية وواقعية في التنمية المستدامة، على مبدأ الشراكة المتكافئة، والأردن ليس بلدا محدود الموارد في المنطق الحديث للدول العصرية، ونحن بحاجة إلى قراءة ذاتنا بشكل أكثر عمقا وبثقة أكثر، كي نتقدم في عالم لا ينتظر أحدا، ولا ينظر خلفه، ومن يتخلف فإنه بالضرورة سيواجه أكثر من مائة عام من العزلة!


[email protected]

التعليق