اتحاد صربيا والجبل الأسود يترنح من جديد ويثير القلق على ما بعده

تم نشره في الأربعاء 16 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

       في مثل هذه الأيام من العام الماضي اندلع العنف بشكل مفاجىء في شمال كوسوفو المجاور لصربيا  ما بين الصرب والألبان، الذي أخذ هذه المرة بعدا مؤلماً يتمثل في إحراق الرموز الدينية (الجوامع والكنائس) سواء في صربيا (جامع بلغراد الخ) أو كوسوفو (كنيسة بريشتينا الخ).

       وقد وجّه اللوم آنذاك إلى الأطراف المعنية الثلاثة: قيادة الألبان والقيادة الصربية في بلغراد والإدارة الدولية التي تتباطأ في حسم موضوع "الوضع النهائي" الذي يقصد به الاعتراف بالاستقلال القائم على الأرض في كوسوفو. وقد ساهمت الأحداث والانتقادات في تسريع الإجراءات/الإصلاحات في كوسوفو فيما يتعلق بالأقلية الصربية والحكومة المحلية كشرط لابد منه لمفاوضات "الوضع النهائي" التي تحددت في ايلول 2005.

      ولكن يبدو أن حسم "الوضع النهائي" قد بدأ مبكراً في هذا الربيع مع مبادرة جمهورية الجبل الأسود إلى الاستقلال عن صربيا ومراجعة "اتحاد صربيا والجبل" الذي أعلن عنه في ربيع 2002 وانطلق عمليا في ربيع 2003.

     وفي الحقيقة أن خطوة الجبل الأسود تعيد من جديد خلط الأوراق والآراء حول مآل الأوضاع في غرب البلقان خلال السنوات التالية. فالأمر لا يتعلق ببساطة بالجبل الأسود وصربيا فقط وإنما بكوسوفو والبوسنة أيضاً.

      فمنذ سنوات تقود جمهورية الجبل الأسود سياسة استقلالية عن صربيا/يوغسلافيا الفدرالية السابقة. فقد تبنت إصلاحات سياسية واقتصادية انتهت إلى تبني نظام سياسي واقتصادي (مع عملة مختلفة) عما هو موجود في صربيا لكي تقترب أكثر من الاتحاد الأوروبي.ومع الإصرار على الاستقلال خلال 2001، الذي كان يتمتع بتأييد غالبية برلمانية، تعرضت الجبل الأسود إلى ضغوط قوية من الاتحاد الأوروبي للبقاء مع صربيا في أي شكل من أشكال الاتحاد، ولو على الورق. أما السبب في ذلك فقد كان يكمن في أن الاتحاد الأوروبي لم يكن مستعداً بعد لاستقلال كوسوفو. فاستقلال الجبل الأسود عن صربيا، مع ما يربطهما من لغة وثقافة مشتركة، ينسف أي أساس لبقاء كوسوفو (ذات الغالبية الألبانية) مع صربيا التي لا ترتبط معها باللغة والثقافة. وكان الاتحاد الأوروبي يخشى من أن استقلال الجبل الأسود قد يدفع صربيا إلى تعويض ذلك في البوسنة، حيث أن الاتحاد الفضفاض حسب اتفاق دايتون 1995 سمح لـ"جمهورية الصرب" أن يكون لها علاقة خاصة مع صربيا.

 ولذلك فقد مارس الاتحاد الأوروبي من الضغوط ما يصل إلى حد التهديد بقطع المساعدات عن الجبل الأسود إلى أن انتهى الأمر، كما هي العادة، إلى حل وسط يتمثل في تشكل اتحاد فضفاض أقرب إلى الكونفدرالية بين صربيا والجبل الأسود، مع حق الجبل الأسود في إجراء استفتاء على الاستقلال بعد 3 سنوات. وقد كان هم الاتحاد الأوروبي شراء الوقت فقط، كما فعل جحا حين تكفل أمام السلطان بتعليم حماره لغة الكلام خلال ثلاث سنوات على أمل أن يموت هو أو الحمار أو السلطان.

        والآن، مع اقتراب وقت الحسم، سارعت جمهورية الجبل الأسود إلى المبادرة الجديدة لوضع الأطراف المختلفة في حالة رد الفعل لكي تصل إلى ما تريده. فوجهة نظر قيادة الجمهورية أن البقاء مع صربيا يؤخر اندراج الجبل الأسود في الأطر العسكرية والسياسة لأوروبا (حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي) لأن صربيا لا تلبي مطالب الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة، وبالتالي فإن جمهورية الجبل الأسود تدفع ثمن ذلك على الرغم من التقدم الذي أحرزته في الإصلاحات السياسية والاقتصادية. وكان الاتحاد الأوروبي قد أعطى خلال 2004 الضوء الأخضر حين اعترف بإمكانية التفاوض على مسارين مع الجبل الأسود وصربيا، اعترافاً منه بالفارق القائم في الوضع الاقتصادى بين الجمهوريتين .

 وبدلاً من الانتظار إلى وقت استحقاق الاستفتاء على الاستقلال في شباط 2006 فقد قامت جمهورية الجبل الأسود في أواخر شباط الماضي بتوجيه مطلب إلى قيادة صربيا فعادة النظر في الاتحاد القائم الذي يعاني من "خلل وظيفي ودستور بطيء غير فاعل"، وتشكيل اتحاد جديد من جمهوريتين مستقلتين. وبعبارة أخرى يريد الجبل الأسود من هذا الاتحاد الجديد المقترح، الذي يمكن أن يقتصر على مجلس مشترك مؤلف من رئيس وثلاثة مفوضين اثنان منهم يغطيان أمور الدفاع والسياسة الخارجية. وفي ضوء هذه الحالة يبقى للسكان حرية الحركة بين الجمهوريتين ويتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها باستثناء حق التصويت.

 وعلى حين أن ردة فعل رئيس الحكومة الصربية فويسلاف كوشتونيتسا اتسمت بالسلبية جاءت ردة فعل رئيس الاتحاد الحالي تاديتش بتفهم أوضح. ويبدو أن قيادة جمهورية الجبل الأسود (رئيس الجمهورية فيليب فويا نوفيتش ورئيس الحكومة ميلو جوكانوفيتش) هي التي تكسب في كل الحالات. فمع رفض كوشتونيتسا، الذي ليس على وفاق مع زعماء الجبل الأسود، يصبح من حق قيادة الجبل الأسود أن تذهب إلى الاستفتاء على الاستقلال في شباط 2006 على أساس أنها قامت بما عليها للإبقاء على نوع من الاتحاد مع صربيا ولكن بلغراد هي التي ترفض ذلك.

 والمهم هنا أن انعكاس مثل هذا التوجه للاستقلال يخلط الأوراق في غرب البلقان ويضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات جديدة. فقيادة الجبل الأسود تشعر أنها خسرت من وجودها في هكذا اتحاد مع صربيا وانتظرت أكثر من اللازم "قطار الاتحاد الأوروبي" بسبب صربيا وبسبب كوسوفو. ولذلك فقد أصبحت قيادة الجبل الأسود ترى أنه من الأفضل تقديم المفاوضات حول "الوضع النهائي" لكوسوفو إلى الصيف القادم لأنه كلما حسم موضوع كوسوفو في وقت أبكر كلما كان ذلك لصالح الجبل الأسود.

 وفيما يتعلق بكوسوفو فقد كانت بلغراد تأمل في حل التقسيم بان تحصل على منطقة متروفيسا المجاورة لها ذات الغالبية الصربية وذات الثروات المعدنية الضخمة، والذي يعوض لها ماتخسره مع استقلال الجبل الأسود عنها. ولكن الإدارة الدولية أكدت في الأسابيع الماضية في عدة مناسبات أنها ضد تقسيم كوسوفو، لأن هذا يطرح أيضاً مصير القسم الآخر من كوسوفو، وتفضل اللامركزية الإدارية التي تعطي الأقلية الصربية في كوسوفو نوعاً من الحكم الذاتي. ويبدو أن إصرار الإدارة الدولية على رفض التقسيم في كوسوفو يهدف إلى الحيلولة دون تكرر ذلك في البوسنة. ففي البوسنة، كما في كوسوفو، لدينا نوع من التقسيم القائم على الأرض وهو في حالة البوسنة أهم وأخطر لأن يحظى باعتراف دولي وفق اتفاق دايتون. فـ"جمهورية الصرب" في البوسنة التي تسيطر على 49% من أراضي البوسنة، والتي تمتع باندماج اقتصادي وثقافي وسياسي (غير معلن) مع صربيا المجاورة، تصرّ على الحفاظ على الوضع القائم الذي يجعلها أقرب إلى بلغراد منها إلى سراييفو التي هي معها في اتحاد فضفاض.

 ومن هنا فإن أي فشل أو انهيار لـ"اتحاد صربيا والجبل الأسود" ينعكس على الاتحاد بين "جمهورية الصرب" و"الفدرالية البشناقية الكرواتية" في البوسنة، وهو ما لايريده الاتحاد الأوروبي بطبيعة الحال.

 ومن هنا قد يكون ضمن البدائل انعاش فكرة الاتحاد الكونفدرالي بين الجمهوريات الثلاث المستقلة (صربيا والجبل الأسود وكوسوفو) الذي يمكن أن يحل إشكالات كثيرة إلى أن تنضوي هذه الجمهوريات في الاتحاد الأوروبي في خاتمة المطاف خلال 2010-2015 كما يتوقع المتفائلون.

التعليق