إذاعة مونتي كارلو الشرق الأوسط...أو صوت فرنسا الغائب ؟

تم نشره في السبت 5 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

     الإذاعة أداة اعلامية أثبتت فعاليتها في عديد من مقاطع التاريخ الحديث. وقد صرح قائدٌ أجنبي في أحد الجيوش العربية بعد إزاحته في الستينيات من القرن العشرين، بأن الكلمات قد طردته من المنطقة. والكلمات التي أشار إليها كانت التعابير القاسية التي وردت بحقه على أمواج صوت العرب عندما كانت صوتاً للعرب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولقد لجأ العرب وخصوصاً المشرقيين إلى الإذاعات الأجنبية الناطقة بالعربية بعد استقلالاتهم المتعاقبة. وذلك لضعف ثقتهم في إعلام بلدانهم الذي تنوع بين الشوفيني إلى البليد إلى الكاذب حتماً حين يُعلن دائماً انتصاراتٍ وهمية في أيام الانهزامات الأكيدة.


       فقبل تطور الفضائيات العربية وتنوعها، كان المواطن العربي المشرقي يحصل على زاده الإخباري عن طريق إذاعتين سيطرتا على مساحته الإعلامية وهما "مونتي كارلو" والـ"بي بي سي". و كان النقاش يحتدم سياسياً في العائلة الواحدة بين جيلين، ليتعلق الآباء بإذاعة الـ"بي بي سي "وما تمثله من رصانة في الاخبار ودقة في الأخبار ويلجأ الأبناء إلى "مونتي كارلو" وما تحمله أو حملته، من تجديد في الخطاب الإذاعي وشبابية سياسية سرعان ما تلقفتها إذاعات أخرى وطورتها نحو الخفة والتفاهة. ومن خلال ذلك يتبدى أن خطابي الإذاعتين سياسياً على الأقل كانا يعبران عن جيل قديم وجيل جديد. فمن جيل جارى الـ"بي بي سي "منذ انطلاقتها بالعربية إلى آخر نشأ في السبعينات على "مشروع" مونتي كارلو، تكون المشهد الإعلامي السمعي العربي وعلى الأقل، المشرقي. وتنازعت الإذاعتان المكانة الأولى في الذاكرة السمعية العربية. فكيف نشأت إذاعة "مونتي كارلو" وإلى ماذا آلت ؟


      لقد فقدت فرنسا جزءاً هاماً من دورها السياسي والاقتصادي في الشرق العربي منذ أربعينيات القرن الماضي وخصوصاً بعد العدوان الثلاثي سنة 1956. وأراد الجنرال شارل ديغول أن يحيي التأثير الفرنسي. ولقد تنبه إلى الغياب الإعلامي وطلب من مساعديه بأن يعدوا له مشروعاً لإنشاء إذاعة فرنسية موجهة للمغرب وللمشرق. وطالت الدراسات رغم إلحاحه الناجم عن خوفه من السيطرة الإعلامية الأنكلو ساكسونية في المنطقة وما تشكله من خطر على الوجود الفرنسي في إقليم جغرافي قريب من فرنسا ومن ثقافتها. وكانت حرب الجزائر وحرب السويس وهزيمة حزيران والدخول الأميركي الكثيف للمنطقة قد دفعت الجنرال إلى التحسس للأهمية القصوى لتواجد إعلامي كثيف لدعم سياسته العربية. ولكن ديغول لم يتمتع بثمرة حلمه حيث توفي سنة 1970 و لم ترى الإذاعة النور إلا في سنة 1972 في إمارة موناكو وتحت اسم" مونتي كارلو" وليس صوت فرنسا ظناً من القائمين عليها بأن التسمية ستعطيها مصداقية وحيادية في أذهان المستمعين العرب. وانتقلت في سنة 1975 إلى باريس حيث ما زالت تبث وتم ضمها إلى إذاعة فرنسا الدولية منذ سنوات قليلة.
 
     في بداياتها، حظيت الإذاعة بدعم حكومي كامل وقام على تحرير أخبارها طلاب من لبنان ومن سورية كانت لديهم الحماسة وافتقدوا للخبرة، وسرعان ما ابتعدوا لأنهم منعوا من التعبير عن آرائهم بشكل غير حيادي على أمواجها. وفي مرحلة لاحقة، سيطر على تحرير أخبارها لبنانيون، مع استثناءات قليلة، أتوا معظمهم من أتون الحرب الأهلية كما الجزء الأكبر من الإعلاميين العرب في باريس والذين ساهموا في السبعينيات في تأسيس صحافة مهاجرة مكتوبة ومسموعة شكلت العضد الرئيسي فيما بعد للفضائيات. ولقد تمتعت بمدخول إعلاني هام في مرحلة الانتعاش النفطي العربي. وقامت حتى بتقديم برامج دعائية لدول الخليج. ولكن مع فقدان هذا المصدر الهام بسبب انهيار أسعار النفط وتطور حرب الخليج، ومع تطور الإذاعات التجارية التي تبث على موجات FM  في المنطقة، بدأت الإذاعة بالدخول في مرحلة الخطر من الناحية المادية حتى وصلت للاعتماد بشكل كامل على دعم من وزارة الخارجية. ومن الناحية السياسية، فلقد برزت فضاءات واسعة من التخبطات التحريرية خصوصاً في مرحلة سيطر فيها تيار سياسي لبناني معين على الأمور وأبعد منافسيه بشتى الطرق والتي وصلت حتى إلى الإساءات الأخلاقية. وفي ظل غياب مدهش لسياسة تحريرية وفي ظل سيطرة النزعات الطائفية والمناطقية على علاقات الصحافيين، بدأت الجهات السياسية المشرفة باتخاذ بعض الخطوات التصحيحية فأتت بالكاتب والصحفي آلان مينارغ الذي حاول العمل على وضع خطة عمل احترافية، ولكنه أزيح بعد تصريح اعتبرته المؤسسة معاد للسامية والظن أنه أزيح بسبب تصديه للتكتلات داخل الإذاعة ذاتها والتي تقاطعت مصالحها مع مصالح معادي العداء للسامية، الذي يعتبر الآن عملة رائجة لدى الذين يتبنونه والذين يحاربونه. ونتيجة لهذا كله، فقدت فرنسا صوتها العربي وأضحت إذاعتها من التاريخ حيث كان لها فيه دور هام. ولقد وصلت الأمور وتدهورها إبان الحرب على العراق، إلى أن تكتب جريدة اللوموند منتقدة التوجه الأميركي للأخبار المبثوثة من إذاعة فرنسية حكومية. وكل ذلك متأت من القائمين حينها على التحرير والذين أطاحوا بالخبرات الإحترافية في سبيل السيطرة السياسية لبعض المفاهيم الضيقة والمصالح. لقد أضحت إذاً الإذاعة حلبة صراع بين أفراد ومجموعات نقلت أمراضها من مجتمعاتها وأسقطتها على حلم الجنرال ديغول الذي ربما قد يتجدد وتعاد إليه الروح مع تعيين باحثة لامعة منذ عدة أسابيع كمديرة للأخبار وهي أنييس لوفالوا، المتخصصة بالشؤون العربية والمتمكنة من اللغة العربية، والتي يجب أن نتمنى لها أن لا تقع ضحية لمؤامرات من يريد أن تكون الإذاعة بقرة حلوب لأصحاب النيات السيئة. إن الحكومة الفرنسية التي تبحث عن تجديد موقعها في المنطقة في هذا الزمن الرديء وذلك من خلال تواجد إعلامي وثقافي متميز، مدعوة إلى أن تساعد لوفالوا في تحرير الإذاعة من الصورة السلبية التي أصبغتها عليها السنوات القليلة الماضية.   

التعليق