توظيف المجتمع المدني في السياق السياسي العربي

تم نشره في السبت 5 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

     يستدعي السجال العربي الدائر حالياً حول مفهوم المجتمع المدني حذراً ثنائي الجانب، يكمن الأول في عدم إدراك التحولات المفاهيمية والانحراف الدلالي الذي تعرض له المفهوم خلال سيرته التاريخية، ويكمن الثاني في استيعاب توظيفاته السياسية الآنية والتكتيكية للكثير من الجماعات المعارضة بوصفه مفهوماً مواجهاً قادراً على استجلاب الأنصار في مواجهة السلطة السياسية.لكن وفي الوقت نفسه علينا ألاّ ننجرّ وراء المنطق القائل ببراءة المفهوم مما أُلصق به من خلال الجماعات السياسية المعارضة لا سيما حركة التضامن البولندية، ذلك أن الادعاء بأن مصطلح المجتمع المدني لا يحتمل ما حمِّل عليه هو ادعاءٌ يدخل في باب اللغة الأكاديمية المتعالية التي تتمسك ببراءة المصطلح المعجمية من تلوثاته السياسية والاجتماعية.ذلك أن أي مفهوم عندما ينزل إلى أرض الواقع فإن توظيفاته ستختلف باختلاف السياق الاجتماعي والسياسي الذي جيء فيه، وهو ما يجعلنا نؤكد باستمرار أن العودة بالمصطلح باستمرار إلى أصله أو رفضه بسبب غموضه لن يجدي شيئاً طالما أن هناك قوى على الأرض تعيد توظيف المصطلح بالطريقة التي تراها مناسبة. فاللحظة التاريخية تضفي على المفهوم أبعاداً دلالية ورمزية جديدة لم يكن ليكتسبها لولا التقائه بهذه اللحظة ومروره بها، ويكتسي المفهوم بعدها حلة جديدة، كما أنه يختزن شحنةً طاقية تحفظ له جلاله مما يجعله جزءا من التاريخ الذي ساهم أو عمل على تشكيله بشكل أو بآخر.


       لقد تعرف العرب على مفاهيم جرامشي عن المجتمع المدني وعلاقته مع الدولة ومفاهيمه عن الالتزام والمثقف العضوي بعد أن قضت الدولة العربية التسلطية على هامش المجتمع وحركته بل وحذفته نهائياً، وتحولت الدولة إلى أشبه بالآلة التي تقضم كل من يقف في طريقها أو يحاول الحد من حركتها، فأصبحت المجتمعات العربية عاجزة تماماً عن الفعل والتأثير ومقيدة بقيودٍ لا فكاك منها، وهو ما أدخل العالم العربي في حالة من التذرر الفردي والحياة اللامبالية بالشأن العام أو ما يُسمى بعدمية المصير، إذ لم تعد هذه المجتمعات تسأل عن المستقبل بقدر ما يهمها الحاضر المعيش وسبل تأمينه والبحث عن تحقيقه، لذلك وجدت المجتمعات العربية في مفهوم المجتمع المدني تعويضاً عن غيابها السياسي الكامل وعدم حضورها الاجتماعي بحكم سنوات الاستبداد المديدة وحكم الطوارئ المؤبد، فجرى طرح المجتمع المدني كأشبه بالمفهوم الخلاصي القادر على تدارك سنوات النقص التي خلفها الحكم الشمولي التوتاليتاري .


        لقد راج مصطلح المجتمع المدني في الأدبيات العربية في وقتٍ متأخر، وقدومه المتأخر هذا لم يمنع الالتباس والاضطراب الكبيرين اللذين رافقا نشأته وظهوره وهذا متعلقٌ بطبيعة الفكر العربي أولاً في تعامله مع المفاهيم ليس وفق سياقها الطبيعي، وإنما ضمن رغبته الخاصة، مما حول المفهوم إلى صراعٍ على التوظيف السياسي بين مختلف التيارات والحركات السياسية التي رغبت عن طريق تبنيه في مواجهة الدولة الشمولية أو ضد بنى المجتمع التقليدية سواء أكانت دينية أو قبلية أو جهوية، كما وجدنا ذلك في تونس أثناء نهائية العهد البورقيبي في نهاية الثمانينات وكما شهدنا في سورية في نهاية عام 2000 لدى انتقال السلطة من الرئيس حافظ الأسد إلى بشار الأسد، مع حضورٍ مستمر لهذا الصراع في دول أخرى كمصر التي ارتبط تأسيس المفهوم لديها مع اتباع نهج اقتصاد السوق وما يرتبط بذلك من توازٍ بين الانفتاح السياسي والانفتاح الاقتصادي .


       لقد نشأت الثنائية التقابلية بين المجتمع المدني والدولة من الفكر الماركسي الذي كان سباقاً إلى تأسيسها، ولكن لينحاز إلى الدولة على حساب المجتمع المدني الذي هو صنيعة الدولة الهيغلية، أما الفكر الليبرالي فقد اعتبر أن المجتمع المدني هو بمثابة الوسيط بين المجتمع بفئاته وشرائحه المختلفة وبين الدولة بهيمنتها الكلية، لذلك اعتبر توكفيل أنه لابد للمجتمع من عين فاحصة ومستقلة، هذه العين الفاحصة ليست سوى مجموعة متعددة من الجمعيات المدنية الدائمة اليقظة والقائمة على التنظيم الذاتي، وهي الضرورة اللازمة لدعم الديمقراطية وتحقيق غايتها في إشراك النسبة الأكبر من المجتمع في مؤسسات الدولة أو مراقبتها وهو لذلك لا يقتصر على الأحزاب أو الهيئات السياسية، وإنما يشتمل بالإضافة إلى هؤلاء المؤسسات الإنتاجية والطبقات الاجتماعية والمؤسسات الدينية والتعليمية والاتحادات المهنية والنقابات العمالية والروابط والنوادي الثقافية والاجتماعية والعقائد السياسية المختلفة.


      وبذلك يكون المجتمع المدني قد دخل في علاقة جدلية مع الدولة ليس بالمفهوم الماركسي وإنما بالصيغة التبادلية، إذ المجتمع المدني يراقب الدولة عن طريق مؤسساته ويضبط توازناتها والدولة ترعى المجتمع المدني وتحافظ على استقراره واستقلاليته، وبذلك تتكون علاقة الشد والجذب التي تحكم اللعبة السياسية، إلا أن الدولة ذات المؤسسات الديمقراطية تستطيع أن ترعى هذا التوازن وتضبطه، أما الدولة الشمولية أو المحكومة بخط عقائدي وحيد لا ترى في المجتمع المدني إلا عاملاً يهدد أمنها واستقرارها لذلك هي تخشاه وتضعه باستمرار تحت السيطرة والمراقبة مما يمنع مؤسسات المجتمع المدني عن القيام بنشاطها المستقل ويحجب عنها دورها الفاعل ذاك .


      إن مفهوم المجتمع المدني ذو جذور غربية ليبرالية في ضوء تطوره الحديث، وهذا ما منع تبيئته بسهولة في الفكر العربي المعاصر المحكوم بإرث ماركسي عريق مما جعل المفهوم يزداد ضبابية وغموضاً ، بحيث غالباً ما ينتهي دعاة المجتمع المدني إلى إسقاط مفهوم الحزب السياسي عليه، كما أن الدولة العربية تختزن إرثاً احتكارياً من الصعب عليها التنازل عنه، إذ إن هيمنتها على المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي يقتضي منع أي مؤسسات مستقلة ترغب بالنشاط في أحد هذه المجالات لأنها ستصطدم حتماً بتوجه الدولة النزوع إلى الأحادية وغير المستجيب لرغبة المجتمع في ممارسة دوره وفق تصوراته أو مآلاته الخاصة، ولذلك دائماً ما تكون العلاقة بين الدولة العربية والمجتمع المدني علاقة يسودها التوتر والتنازع لتتأسس ثنائية ليست تصالحية كما وجدنا في الفكر الغربي وإنما صراعية تقوم على الإلغاء المتبادل، يسعى كل طرف إلى إثبات وجوده عن طريق توجيه ضربات متتالية إلى خصمه، فهل يمكن لنا الانتقال إلى صيغة متوازنة بين الطرفين ؟. إن ذلك يتعلق لدينا بالدولة أولاً ذلك أنها رهنت المجتمع بإرادتها وسلطتها، فإذا أرادت لهذا المجتمع أن يمارس دوره وفاعليته فعليها أن تعترف بمؤسساته وهيئاته وأن تترك له هامشاً حتى يؤدي وظيفته من خلاله .

التعليق