الدرس اللبناني: لا مكان للدكتاتورية إذا توحد الشعب

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


     ليس من بلد عربي أثرت فيه الطائفية كلبنان، فهي لم تصنع حرباً أهلية دموية فحسب وإنما أيضاً كدّرت على الدوام حياة مواطنيه وشغلتهم بـ"حرب باردة" فيما بينهم شملت تفاصيل الحياة اليومية كلها بما فيها من تعلّم وتعليم، علاقات ومعاملات، بيع وشراء،.. الخ.


ولعله من الطريف أن تأتي العبرة اليوم من بلد ممزق –أهلياً- كهذا، ففي العالم العربي كله، بل في العالم الثالث على تنوعه، تستند السلطة في استمرارها، وبالتالي في استبدادها ودكتاتوريتها المطلقة، على لعبة تعزيز النعرات الطائفية والإقليمية والعصبوية بحيث ينشغل الشعب بها من جهة، ويتنافس على أساس تلك النعرات في التقرب من النظام السياسي وإظهار الولاء له وبالتالي تحقيق المنافع الفئوية من خلاله على حساب باقي فئات الشعب، من جهة ثانية. بمعنى أن الأنظمة السياسية في هذه البلدان تقسّم الشعب وتعتاش على النعرات بين فئاته.


       هذا ما حصل في لبنان، كما في غيره، وأنتج ذلك بعد انتهاء الحرب الأهلية نظاماً أمنياً تسلطياً، وإن كان الفارق بين لبنان وغيره أن التسلط فيه لم يكن لبنانياً (وطنياً!) خالصاً، وإنما استفاد الوجود السوري من اللعب على النعرات تماماً كما استفاد "شيوخ" الطوائف وممثليها السياسيين. ولذلك كان طبيعياً أن يستمر الحكم التسلطي إلى ما لا نهاية ما دامت طوائف الشعب تستجيب للعبته وتتلهى بها عنه.


        فجأة، تغيرت اللعبة بعد اغتيال رفيق الحريري لأن الانقسام بين المسلمين السنة والمسيحيين المارونيين انتهى. لقد توحد الشعب ولم يعد النظام الأمني قادراً على المضي في استثمار العداء بين السنة والمارونيين وجذب أحدهما إلى صفه وبالتالي إيجاد تأييد شعبي لاستمراره. لقد بات للشعب عدو واحد هو الحكم الأمني الدكتاتوري، وهكذا ببساطة لم يعد لذلك الحكم الدكتاتوري أي قبول، وبات عليه أن يرحل!


         هل تعتبر الشعوب العربية الواقعة تحت الدكتاتورية؟ ربما نعم وربما لا، بحسب قدرتها على إدراك أن العدو الحقيقي لكل منها هو الحكم التسلطي الواقع عليها لا الفئة (الطائفية أو العرقية أو المناطقية..) المشاركة لها في الانتماء للوطن نفسه. فاللبنانيون ربما أدركوا الآن، بعد هذا العذاب كله، إنهم ليسوا أعداء فيما بينهم، وأن العدو الحقيقي هو من يسعى لتعزيز النعرات الطائفية وتكريس حالة الاحتراب الأهلي، فاللبناني المستفيد بشكل حقيقي ليس الذي يعتاش على ظلم أخيه اللبناني ونزع حقوقه، وإنما الذي يعيش في دولة ديمقراطية تعلي قيمة المواطنة وتحقق المساواة، فتخلق شعباً قادراً على الفعل وبالتالي دولة قوية منيعة لا يسلبها أحد أرضاً أو حقاً.


        في هذا السياق، لنا أن نستذكر الحالة العراقية، فقد كان نظام صدام حسين الاستبدادي معتاشاً على تعزيز النعرات الطائفية والعرقية في شعبه والادعاء أنه يمثل  إحداها (أي العرب السنة)، ولم يتوحد الشعب العراقي أبداً، فلم يكن ممكناً تغيير نظام صدام من الداخل أبداً كذلك، أي أنه كان مرشحاً للاستمرار إلى ما لا نهاية لولا العدوان الأميركي الخارجي، لكن ولأن العدوان وقع في ظل انقسام الشعب طائفياً وعرقياً، فقد سقط النظام وبقي الانقسام الشعبي، وهاهو الانقسام ينعكس في حياة العراقيين اليوم في ثنائية السلطة الجديدة والمقاومة المسلحة، فالشيعة والأكراد يعتبرون أن هذه المرحلة هي "دورهم" في السلطة، كما يظهر بوضوح أن المقاومة المسلحة سنية الطابع ولا يتوانى بعضها عن استهداف الشيعة خاصة في مساجدهم.


       الحالتان اللبنانية والعراقية تختزلان الحالات العربية والعالم ثالثية كلها، فالأنظمة المستبدة الأمنية مرشحة للاستمرار إلى ما لا نهاية ما دامت شعوبها منقسمة على نفسها وغير مدركة لمصلحتها الحقيقية ولعدوها الحقيقي، لكن وحدة الشعب، أي شعب، هي بالضرورة بوابة رحيل الدكتاتورية وإقامة الديمقراطية، وليس من بوابة للديمقراطية سواها.


الشعوب العربية –للأسف- لا تريد أن تفهم، فهي تصر على الانقسام داخل ذواتها:

عرب وبربر، مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة، إلى آخر هذه المهازل والتراهات والسخافات التي تديم حكم الأمن القائم على قاعدة "فرّق تسد". إن الدكتاتورية مرشحة للاستمرار لأن الوحدة الشعبية غير مرشحة للتحقق، إلا بمعجزة، كمعجزة الحريري التي صنعها –للأسف- بدمه.


www.jowriters.org/writers/samer

التعليق