قانون الاتصالات: بعض مما هو كائن وما يجب أن يكون

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً


       لقد تضمن قانون الاتصالات في مواده المختلفة الإشارة إلى التعليمات التي تصدرها هيئة تنظيم قطاع الاتصالات. وهذه التعليمات هي تعليمات تنفيذية، أي يتم إصدارها تنفيذاً لنص قانوني، وهي بهذا الوصف تتمتع بالقوة التي تتمتع بها الأنظمة التنفيذية.

وعليه فإنه لأغراض اعتبارها حجة في مواجهة الكافة ولأغراض نفاذها، لا بد من نشرها في الجريدة الرسمية وتحديد موعد لبدء العمل بها. وبالنتيجة فإن نشر هذه التعليمات بلغة أجنبية على الموقع الإلكتروني لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات لا يعد من الناحية القانونية نشراً لها بالمعنى القانوني الذي يكسبها الحجية المطلوبة.

وبالمقارنة، فقد أحسن المشرع صنعاً عندما اشترط نشر التعليمات التي يصدرها مجلس مفوضي هيئة الأوراق المالية في الجريدة الرسمية. فالجريدة الرسمية هي وسيلة العلم التي بموجبها يتم إيصال القاعدة القانونية إلى الناس كافة على سبيل الإفتراض على الأقل. من هنا، فإن من الضروري، بل ومن مقتضيات العدالة وحسن الإلتزام بمكونات النظام القانوني من قواعد عامة، أن يتم تعديل قانون الاتصالات بما يوجب صراحة نشر التعليمات التي تصدرها هيئة تنظيم قطاع الاتصالات باعتبارها تعليمات تنفيذية، في الجريدة الرسمية.


      إن اشتراط المشرع في المادة (29) من القانون تنظيم الترخيص بصورة عقد، إنما جاء لحكمة توخاها المشرع وتتمثل بوجوب تنظيم العلاقة بين الهيئة والمرخص له تنظيماً تعاقدياً حفاظاً على حقوق المرخص له من جهة وإلزامه تعاقدياً من جهة أخرى، وبحيث يحتكم الفريقان عند المنازعة إلى جهة قضائية كفيلة بإحقاق الحق والبت في المنازعة دون السماح للهيئة بالمساس بالحقوق المكتسبة للمرخص له أو الانتقاص منها بطريقة إساءة استعمال السلطة أو مجاوزة الإختصاص.

 وجلي أن المشرع قد أدرك أهمية وضرورة عدم انتهاك الحقوق المكتسبة للمرخص لهم في ظل التراخيص القائمة حالياً وذلك عندما ورد النص صريحاً في المادة (6/ي) من قانون الاتصالات على إلزام الهيئة عند ممارستها لمهمة تنظيم الدخول إلى شبكات الاتصالات "بمراعاة شروط أي ترخيص منح من الهيئة أو أي اتفاقية معقودة مع الحكومة قبل نفاذ أحكام هذا القانون".

 إن تشجيع الإستثمار في قطاع الاتصالات كاحدى مهام وزارة الاتصالات استناداً لنص المادة (3/ج) من القانون يستوجب بالضرورة صيانة الحقوق المكتسبة للمرخص لهم وحمايتها من أي تعليمات أو قرارات قد تصدرها هيئة تنظيم القطاع. ولا يتسع المجال ولا المقال للحديث تفصيلاً في الحقوق المكتسبة للمرخص لهم التي تعد حمايتها أهم مقومات تشجيع الاستثمار في قطاع الاتصالات.

فهؤلاء يكتسبون حقوقهم، كما يتحملون بالتزاماتهم، إما مباشرة من النصوص التشريعية أو من عقود التراخيص الموقعة بينهم وبين هيئة تنظيم القطاع. ومقابل هذه الحقوق القانونية أو التعاقدية وضعوا استثماراتهم في هذا القطاع ومن حقهم بل ومن واجب المشرع حمايتهم وحماية حقوقهم. ولهذا، ولما كانت المادة (6/ي) قد جاءت لتعالج حالة خاصة وهي مهمة الهيئة في تنظيم الدخول إلى الشبكات، فإن مقتضيات العدالة والإنصاف، وموجبات تشجيع الاستثمار، تستدعي وضع نص عام وصريح في قانون الاتصالات يوجب، دائماً وفي جميع الأحوال، على هيئة تنظيم القطاع، عند ممارستها لمهامها التنظيمية، مراعاة شروط عقود التراخيص الموقعة قبل نفاذ أحكام القانون ونشر تعليماتها في الجريدة الرسمية لأغراض إكسابها الحجية القانونية.

 وبخلاف ذلك لن يستقر لهذا القطاع قرار ولن يطمئن المرخص له، المستثمر، على حقوقه التي اكتسبها مقابل ما استثمره من أموال في قطاع الاتصالات. وأكثر من ذلك فإن تحرير قطاع الاتصالات وغياب الاحتكار المقنن، يستدعي بالضرورة، ولأغراض تشجيع الاستثمار والارتقاء بخدمات الاتصالات وخدمة المواطن ونشر ثقافة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يستدعي بالضرورة طمأنة المرخص لهم على صلابة التشريع وعزم المشرع على حماية حقوقهم المكتسبة.


     أما البند (10) من الفقرة (أ) من المادة (12) فينص على صلاحية مجلس مفوضي هيئة تنظيم القطاع في "إعداد التوصيات المتعلقة باستملاك الأراضي لمصلحة المرخص لهم وفقاً لأحكام هذا القانون والتشريعات المعمول بها". وقد نصت الفقرة (ج) من المادة (68) على صلاحية مجلس المفوضين بالتوصية إلى مجلس الوزراء بالموافقة على استملاك العقار ضمن شروط محددة لمصلحة المرخص له باعتبار إنشاء الشبكة "مشروعاً للنفع العام" بالمعنى المقصود في قانون الاستملاك. وقد أحسن المشرع صنعاً عندما منح مثل هذه الصلاحية لمجلس المفوضين باعتباره الأدرى بالقطاع ومصلحته.

غير أن النصين المشار إليهما عجزا عن بيان ما إذا كان لمجلس المفوضين صلاحية التوصية بالموافقة على بيع العقار المستملك بعد انقضاء حاجة المرخص له لهذا العقار ورغبته في إزالة شبكاته أو منشآته المقامة على ذلك العقار ورغبته في بيعه.

فإذا اتجهت نية المشرع إلى منح مجلس المفوضين صلاحية التوصية إلى مجلس الوزراء بالموافقة على بيع العقار المستملك بهذه الطريقة، فلا بد من النص على ذلك صراحة في قانون الاتصالات وبخلاف ذلك لن يكون لمجلس المفوضين مثل هذه الصلاحية ولا حجة للقول بأن مجلس المفوضين الذي يملك صلاحية التوصية بالاستملاك يملك أيضاً صلاحية التوصية بالموافقة على البيع لغياب النص الصريح في القانون الحالي على هذه الصلاحية. وبدورنا نتمنى على المشرع أن يمنح صلاحية التوصية بالموافقة على بيع العقار المستملك إلى مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات.


      أما الفقرة (ب) من المادة (12) فقد منحت مجلس المفوضين صلاحية تفويض "أياً من صلاحياته المنصوص عليها في هذا القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه إلى رئيسه أو إلى أي من أعضائه". وتبلغ هذه المنحة من الخطورة مستوى التنازل عن الاختصاص بمفهوم فقه القانون الإداري.

 فكيف يؤذن لمجلس المفوضين الذي يتولى إدارة الهيئة والإشراف عليها وممارسة صلاحيات تنفيذ مهامها بأن يفوض أياً من صلاحياته إلى شخص رئيسه أو أحد أعضائه دونما ضوابط زمنية أو نوعية.

 وفي ظل هذا النص الخطير يستطيع مجلس المفوضين أن يفوض جميع صلاحياته لأحد أعضائه أو لرئيسه دون ضابط أو حد زمني فينقلب دور المجلس من مجلس تنظيمي ورقابي أو هيئة رقابية إلى شخص رقيب ومنظم. إن ثقل المهام المنوطة بهيئة تنظيم القطاع وأهمية الصلاحيات المنوطة بمجلس المفوضين تقتضي بالضرورة إلغاء الفقرة (ب) من المادة (12) برمتها أو تقييد صلاحية التفويض بمسائل محددة ولمدة محددة أو في أحوال الضرورة فقط. ويستدعي إلغاء الفقرة (ب) المذكورة إلغاء عجز البند (8) من الفقرة (أ) من المادة (16).


     أما المادة (18) فقد تناولت مصادر الموارد المالية للهيئة. ونصت الفقرة (أ) على ما يلي "العوائد التي تتأتى لها من الرخص والتصاريح وعوائد تجديدها". وقد نص البند (17) من الفقرة (أ) من المادة (12) على صلاحية مجلس المفوضين في "تحديد العوائد التي تتأتى للهيئة من الرخص والتصاريح". لا جدل في أن المقصود بالعوائد هو الرسوم. فكيف يترك أمر تحديد هذه الرسوم لمجلس المفوضين. أليس اشتراط تحديدها بموجب أنظمة يصدرها مجلس الوزراء أقرب إلى الإستجابة لأحكام الدستور؟

 ما من شك في أن لمجلس المفوضين صلاحية تحديد بدل الخدمات التي يقدمها للمرخص لهم. أما رسوم التراخيص ورسوم تجديدها فأمر، لا ينسجم وأحكام الدستور، تركه لقرارات أو تعليمات يصدرها مجلس المفوضين.


    وقد تناولت المواد من (20ـ24) أحكام إنشاء شبكات الاتصالات الخاصة. والغريب أن القانون لم يوجب على هيئة تنظيم القطاع وضع تعليمات تحدد بموجبها أنواع الشبكات الخاصة والإرشادات والشروط الفنية لإنشائها واكتفى بالنص في المادة (22) على جواز إصدار مثل هذه التعليمات.

 إن التعريف الوارد في المادة (2) للشبكات الخاصة يحتاج بحد ذاته إلى تعريف وتوضيح ولن يكون ذلك إلا بإلزام هيئة تنظيم القطاع بإصدار تعليمات تفصيلية خاصة بإنشاء وتشغيل الشبكات الخاصة وتحديد شروط إنشائها. فهل تعد شبكة خاصة تلك التي تربط بين عشرات الفروع لبنك معين مثلاً المنتشرة في مختلف محافظات المملكة؟ ألا يحتاج الأمر إلى تنظيم؟

 وبالنتيجة فإننا نتمنى على المشرع أن يعدل في نص المادة (22) بحيث يكون إصدار التعليمات المشار إليها في تلك المادة أمراً وجوبياً لا جوازياً.

التعليق