عن ثقافة الوصاية!!

تم نشره في الأربعاء 2 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


      لعل أحد لوازم السيطرة في مجتمعاتنا وربما هو سر من أسرار مهنة السيادة، تغذية الإحساس لدى الطرف المسود بأنه قاصر أو دون سن الرشد، عاجز عن اتخاذ القرارات السليمة وأنه يحتاج إلى راع لمصالحه أو وصي ينوب عنه في إدارة شؤونه العامة مما أنتج نوعاً خاصاً من التفكيرعرف باسم" ثقافة الوصاية ".


   تنزع ثقافة الوصاية في جوهرها إلى تعميم وعي زائف يخلق لدى الإنسان شعوراً ملازماً بالقصور والدونية وبأنه عاجز أمام نخب مسؤولة عنه وشخصيات كاريزمية يرتب لها أن تكون موضع رعب وتهيب كبيرين مما يقوده إلى إهمال حقوقه المدنية والسياسية وتالياً دوره في الحياة العامة.


     وطالما تعتبر سلطة الوصاية نفسها مرجعاً أحادياً فهي تتنكر لمفاهيم الاختلاف والتباين والصراع والنقد والمواجهة، لا مكان في دنياها لطرح الأسئلة أو إبداء الشك والريبة لأنها تعني أن العقل يعمل والوصي لا يريد للعقل أن يعمل، كما أنه لا مجال لإظهار أي امتعاض أو استنكار أو رفض لأن ذلك يكشف بعض إنسانية الإنسان ويدل على بقايا دور وإرادة يفترض أن يزولا، مما يقود في النهاية إلى تسطيح العقل وإشاعة اللاعقلانية في التفكير، وإلى قتل روح التجديد والمبادرة، ومباركة الخنوع والتسليم والرضا وتالياً إلى السخرية من جدوى أي فعل إيجابي في محاولة لبناء مجتمع سلبي لا مبالٍ مفعم بالغرائز وأسير روح الاستهلاك والاستمتاع الرخيص أشبه ما يكون بقطيع صاغر من الماشية لا حول له ولا دور.
 
      تكاملت هذه العقلية على مر العصور وتطورت لتتخذ صوراً وأشكالاً شتى، من أبرز تجلياتها تلك النظرة القديمة التي رأت في الاستعمار مهمة " نبيلة "  لقيادة مجتمعات الغير ومساعدتها على تمثل قيم الحضارة والعلوم الحديثة.

 وهي تشهد اليوم انتعاشاً لم تعرفه من قبل بعد أن أصبح الوصي أوصياء تبعاً لتعدد محتوى الفكرة، موضوع الوصاية ( الوطن، القومية، الدين، الديمقراطية ) لتزعم قوى خارجية أو أنظمة أو جماعات محلية حقها في ملكيتها وتعلن احتكارها لها وتعيد رسمها على قياس مصالحها بما يمكّنها من تأكيد سلطانها وتعطيل عقول الآخرين وأدوارهم.


     تندرج هنا الدعوات الأميركية التي يتواتر إعلانها من أجل نشر الديمقراطية تحت ذريعة حماية الشعوب من اضطهاد حكامها في محاولة لوضع يد الوصاية على واحدة من أهم القيم والأهداف الإنسانية وتوظيف احتكارها لتقرر مصائر هذه الشعوب بما يخدم مآربها في الهيمنة، ولا يخرج عن هذا السياق مفهوم صراع الحضارات كواحد من الأشكال التي تضع الحضارة العربية والإسلامية في موقع التخلف والقصور أو نعتها بالبربرية والهمجية أمام حضارة غربية هي الأرقى وتملك تفوقاً مادياً خيالياً وقدرة ثقافية عالية ومتعالية تسوغ للنخب الحاكمة في الغرب التدخل بصفات متعددة، منها المباشر ومنها الاستشاري، في إدارة أمور الشرق المتخلف.


     ثمة دور ثان يساهم في إزكاء ثقافة الوصاية داخل وضعنا العربي والإسلامي تلعبه بعض الجماعات المحلية في احتكارها لقيم الإيمان والهوية والمعتقدات الدينية وما ترتب على ذلك من آثار سلبية كبيرة على الدين والناس في آن معاً خصوصاً عندما وصل الأمر إلى إغلاق الباب قتلاً وتكفيراً أمام أي تفسير أو اجتهاد يخالف ما تعتقده، حيث استسهلت تحت العباءة الدينية مصادرة كل شيء في محاولة لقسر الدين في حركة سياسية تخوض الصراع ضد الآخر انطلاقاً من الفروق الدينية وليس من منطق ماهية هذا الآخر, مما أساء إلى الدين وأظهره بعكس حقيقته، قاحلاً، يخلو من كل ما هو أفضل وأوفر وأعدل وإنساني.


     هذه الظاهرة لم تكتف باحتكار الوصاية على الحقائق المطلقة بل تدخلت في تحديد كيفية الإيمان بها وتعطيل أولويات الواقع وسننه وعلاقاته الموضوعية، محفوفة بممارسة سياسة استبدادية تعتمد "العنف المقدس" في رسم "الطريق القويم" وتصحيح المعوجين عنه بقوة السيف والاستئصال، وهنا صارت شكلاً من أشكال العبثية المدمرة دعوة هذه الملة أو تلك لفصم العالم إلى قسمين لا ثالث بينهما سواء تحت شعار "دار الإسلام ودار الكفر" أو "دار الخير ودار الشر" مسوغة لنفسها تقرير شؤون الدين وفق أهوائها واجتهاداتها الخاصة،وبالتالي عندما يقرن الموقف من الإنسان بهوية أحادية تخيره بين حدين، مسلم أو كافر، وبضوابط صارمة في حدود المحرّم والمحلل، تنزلق المجتمعات بسهولة نحو بؤرة الخلاف والتصادم المجاني، وتغدو الحياة ليس معبراً نحو التقدم والرقي بل أشبه بوظيفة أحادية غرضها إعادة توزيع القصاص والتباري في التذنيب والتأديب.


     أما السلطات والأنظمة العربية فهي خير من أتقن الوصاية وتفنن في إبداع صورها، فتوسلت القضية الفلسطينية وذريعة الحفاظ على السيادة والاستقلال ودرء الأخطار الخارجية لتنّصب من نفسها مسؤولاً وحيداً عن إدارة شؤون الوطن واحتكار الحق في التصرف باسمه معتبرة أي مبادرة بخلاف ذلك خروجا عن الطاعة أو طعنا بالمقدس الوطني تستحق أشد عقاب!!


      ولا تستقيم وصاية الأنظمة إلا بوصاية من نوع آخر، غرضها الاستيلاء على الاقتصاد والناس والتصرف بثروات المجتمع، فيجد القابعون في مواقع المسؤولية أنهم الأعرف بما يفيد الناس وما يضرهم وهم الأدرى بالطرق الكفيلة بتوفير حاجاتهم الأساسية من غذاء وكساء وسكن وعمل وتعليم، الأمر الذي يسوغ لهم مصادرة الحقوق وشل هيئات المجتمع وتثبيت الاستيلاء على المرافق العامة وموارد الدولة، مانحين أنفسهم كامل الحق في إدارة مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يصاغ كل ذلك عبر خطط مركزية تقسر تطور المجتمع وفق مصالحهم، فتعطل الحقوق المدنية والسياسية للبشر وتحولهم إلى ما يشبه كتلة من الواجبات لا غرض لها سوى إنجاز هذه الخطط.


     يبرر أولو الأمر هذا السلوك بعدم النضج السياسي في الأوساط الشعبية وبأنه تعطيل ضروري لخدمة المصلحة الوطنية العليا وضرورات البناء والتصدي للعدو الخارجي، ويرون بالتالي أن ممارسة الحرية في ميادين الرأي والتعبير والنشاط السياسي تشتت الكلمة وتصدع الصف الداخلي، وينسحب هذا على حق الإضراب عن العمل وحق الاجتماع والنقد والاحتجاج، وتصل الأمور إلى إحصاء أنفاس الناس والتحكم بكل شاردة وواردة في سلوكهم وحتى تلقينهم ما ينبغي أن يقال وما يجب أن لا يقال، مما يعمق شعورهم بالعجز والدونية ويعزز عوامل خنوعهم للقواعد القائمة على الأمر والنهي والطاعة.


     يلاحظ أخيراً أن ثقافة الوصاية تعاني اليوم حال انكشاف واضطراب ربما من جراء احتدام تنافس الأوصياء على السيادة والسيطرة، أو لعل السبب يعود إلى ارتقاء وعي البشر وقد صاروا يتحسسون جيداً وزنهم ويستشعرون الدوافع الحقيقية وحسابات المصالح الضيقة التي تقف وراء دعوات احتكار القيم والوصاية عليها، الأمر الذي يعكس تنامي الأصوات المطالبة بمناخ صحي يثق بالناس ويمنحهم فسحة من الأمان والحرية كي يأخذوا دورهم الحقيقي في المجتمع، كذات حرة واعية لمثلها وقيمها وأهدافها، قادرة على تحمل مسؤولياتها بحرية وطواعية بعيداً عن القسر والإكراه.
 
      ويبقى القول أن خير ما يخلخل بنيان ثقافة الوصاية هو تقدم ظواهر دالة على الرشد الاجتماعي مثل العقلانية والاعتدال وتحاشي الغلو والتعصب والتطرف، فكم يتضرر الوصي عندما يرى في ممارسات من يزعم أنهم قصر ما يدلل على النضج والاتزان وروح المسؤولية، وكم يفيد من الاندفاعات الرعناء والسلوك الطائش في تغذية ذرائعه وادعاءاته بحقه في التدخل وفرض رعايته على المجتمع؟


كاتب سوري

التعليق