عملية تل أبيب والشرط الغائب للتسوية

تم نشره في الاثنين 28 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

     عملية تل أبيب التي جرت أول أمس تؤكد أن الدائرة الفلسطينية الإسرائيلية ليست قادرة على صناعة السلام، وتأمين كل شروط التسوية، مهما بلغ حجم الدعم الدولي لها. فهناك شرط غائب، يبدو أن الدائرة الفلسطينية الإسرائيلية لا تستطيع تأمينه، وهذا الشرط يمكن تلخيصه بأنه الشرط الإقليمي. فالتسوية للقضية الفلسطينية لن تتحقق عبر صيغة اتفاق ثنائي فلسطيني إسرائيلي بمظلة إقليمية. هي بالأساس قضية إقليمية وتسويتها يجب أن تكون مشروعاً إقليمياً. وغياب الأطراف الإقليمية سيجعل أي اتفاق ثنائي عبارة عن بناء على الرمال. 


      فالقضية الفلسطينية مثل غيرها من الأزمات الإقليمية، لها ثلاث دوائر. دائرة إسرائيلية فلسطينية هي الدائرة المركزية للصراع، ودائرة إقليمية للصراع، ودائرة دولية. ولا يمكن حل القضية وتسويتها إلا بالتقاء الدوائر الثلاث وانطباق مراكزها. وكل المحاولات التي جرت للآن هي محاولة لتجاوز إحدى هذه الدوائر.

 
       ففي الفترة بين صدور القرار 242، حتى بدء المباحثات السرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كان الجهد الإسرائيلي ينصب على عمل تسوية تقوم على أساس شطب الفلسطينيين وعدم الاعتراف بهم، مما يعني غياب الدائرة المركزية عن التسوية. ومع بدء الاتصالات الرسمية بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير في تونس، بدأ الحديث الجدي عن الدائرة المركزية للصراع باعتبارها أحد مكونات الدائرة الإقليمية. 


        اتفاقية أوسلو كانت قائمة على أساس فرضية مضادة، ويتبناها بعض الإسرائيليين، وهي أنه ما دام الفلسطينيون معنا (أي مع الإسرائيليين)، فما حاجتنا ببقية الإقليم. وشجع الإسرائيليين على هذا النهج، الإعلانات المتكررة من بعض الأطراف الإقليمية التي توصف بأنها مركزية. فقد أعلن أكثر من طرف إقليمي بأنه يدعم الخيار الفلسطيني، وليس له موقف أو مطالب تزيد عن موقف ومطالب الفلسطينيين. وخلق إيحاء ووهم بأن الدائرة المركزية للصراع قادرة من خلال دعم دولي مناسب أن تشطب الدائرة الإقليمية وتبعدها عن تطورات الصراع، وعن التسوية. 


        انهيار سياق المفاوضات متعددة الأطراف منتصف التسعينيات، وتعثر المفاوضات على المسارات الأخرى، أدى إلى انهيار الديناميكا المكونة للدائرة الداخلية. كما أدى ذلك إلى فتح المجال لبروز لاعبين جدد غيروا من تكوين وتركيب الطرف الفلسطيني الذي يشكل مع الإسرائيليين الدائرة المركزية. وبرزت حماس كقوة أساسية تعترض على التسويات، وتجر الجميع للمواجهات. الطرف الفلسطيني لم يعد منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هناك مكونات أخرى للطرف الفلسطيني. 


         تصريحات الرئيس الإيراني قبل بضعة شهور بأنه لن تكون هناك تسويات ومشاريع إقليمية ما دامت إيران خارج المعادلات الإقليمية المعترف بها دولياً، واضحة بما لا يدع مجالاً للشك بأن لإيران موقفا. ولكن هذا ليس فقط موقف إيران، إنه موقف كل الأطراف الإقليمية بلا استثناء، إيران كانت الأكثر جرأة بالتصريح به. فهناك أطراف إقليمية حصلت على اعتراف دولي بدورها في التسوية، وتجلى هذا الاعتراف من خلال مؤتمر شرم الشيخ، وقبله مؤتمر قمة العقبة التي أعلنت بها خارطة الطريق. وهناك أطراف غائبة ومهمشة، لن تمرر أي مشروع للتسوية بغيابها. أو أن غيابها أو التركيز على تغييبها سيجعل مشروع التسوية يحتاج إلى حروب ومواجهات مباشرة وغير مباشرة. 


        خيارات إسرائيل الآن متعددة ولكنها تنحصر حول خطة الانسحاب أو الانفصال بالتنسيق مع السلطة الوطنية والفصائل التي قبلت التهدئة، أو من غير تنسيق. خطة الانسحاب بالتنسيق أو من غير تنسيق هو مشروع دولة بالنسبة لإسرائيل، ويتضمن من جملة ما يتضمنه تحويل التفاهمات الأمنية على الانسحاب إلى تحالفات مركزية.


        عملية تل أبيب تبدو بلا أب شرعي. فلقد رفضتها حماس والجهاد الإسلامي، وتنكر كلا التنظيمين منها، ثم عادت الجهاد وتبنتها وقد يكتشف لاحقاً أن البيان الذي نشر غير حقيقي. هذا الارتباك في التعرف على صانعيها، رغم اعتقال بعض الأفراد بتهمة تنظيمها،  تعني بروز لاعب جديد على الساحة الفلسطينية. هو ليس حماس، وليس الجهاد الإسلامي، وهو بالتأكيد ليس السلطة، وليس حزب الله، وليس المخابرات السورية، وليس إيران. العملية بهذا الشكل هي بدء لمشروع بلورة لاعب فلسطيني جديد. قد يحتاج هذا التنظيم، كما هو حال حماس، إلى انتفاضة جديدة، ومسلسل اغتيالات طويل للتوصل إلى تفاهمات معه. وكما كان بروز حماس ناتج تفاعلات إقليمية مع الدائرة المركزية للصراع، فإن بروز طرف جديد هو ناتج تفاعلات إقليمية مع الدائرة المركزية للصراع.


         مسلسل إعادة تشكيل الدائرة الفلسطينية، الذي بدأ بإنشاء منظمة التحرير لن ينتهي إلا تحت تأثير عاملين، إعادة تشكيل الإقليم، أو موقف إسرائيلي بتنفيذ التسوية عبر شراكة إقليمية حقيقية، وليس فقط عبر مظلة إقليمية. فكرة المظلة انهارت بعيد مدريد، وليس هناك إلا صيغة شراكات حقيقية.


        المعضلة الحقيقية هي: أن الأطراف الإقليمية المرشحة لتكون طرفاً في مشروع التسوية، ليست مهيأة لهذه الشراكة، بسبب تخلف بناها المؤسسية والسياسية. من جهة أخرى فإن الأطراف التي لديها نظم فاعلة، كانت قد بنت هذه النظم على أسس تمنع قبولها كشريك على الأقل من قبل الإسرائيليين. والمتوقع الآن موقف أميركي جديد، يضع خارطة الطريق في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير. فكما وضعت خطة الانسحاب الإسرائيلي من غزة في إطار خارطة الطريق، فالمطلوب الآن وضع خارطة الطريق في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير. هذا سيغير من أجندة النتائج وتطور خارطة الطريق، ولكنه سينقذ الجميع من صرف وعود لا يمكن تلبيتها. أو على الأقل سيحدد سياق الوعود وسيحدد أيضاً سياق العمل على تحقيقها.


        الأردن، الذي يمتلك فرصة فريدة وتتقاطع عنده دوائر التسوية الثلاث مطالب، الآن قبل أي وقت مضى، بالتعامل مع نتائج عملية تل أبيب الأخيرة، والتعامل مع الانهيارات المتوقعة التي تنتج عن عملية إعادة تشكيل العديد من الأطراف الإقليمية. لبنان والفلسطينيون في طور إعادة التشكيل، والعراق المفتوح على ممكنات كبيرة، والسعودية لا يدري أحد كيف ستكون بعد خمس سنوات، ومصر أجرت تحولات حاسمة في بنيتها السياسية، فالإقليم كله ما زال في خلاطة المولينكس السياسية. لن يستطيع الأردن أن يحافظ على مكتسباته من دون خطوات حاسمة على صعيد داخلي تهيئه للدخول في التكوينات والبرامج الإقليمية القادمة.

حضوره السابق في شرم الشيخ، واللاحق غداً في لندن، ليست تذاكر كافية للتعاطي مع الديناميكات التي بدأت أمس. فالجهد العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة سيتجه نحو هدف واضح وهو: تحقيق انطباق مراكز الدوائر الثلاث، ولن تكون النتيجة مريحة لأحد. فهذه تتضمن جراحات عميقة للجميع. فلا يوجد في الأفق صيغة مناسبة للإقليم تمكنه من التحرك بشكل مناسب نحو صيغ تكامل إقليمية ولا من أي نوع. هناك عديد من التحولات، ولا توجد عربات تقل أيا كان. هناك فقط فرصة للبعض وليس للجميع أن يبنوا مراكبهم المناسبة للرحلات القادمة.  

التعليق