صواريخ غاندي

تم نشره في السبت 26 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً


لم يكن المهاتما غاندي يملك صواريخ ضد جيش الاحتلال البريطاني بل ولم يفكر في ذلك مطلقا، كل ما ملكه في مواجهة جيش الإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس قبل أن تصبح لا تراها هو جسد نحيل وملابس من صنع يدوي، لم تكن قيادة أركانه في فندق فخم ولا في فيللا بعيدة عن وطنه، لم يفكر بالاختفاء بعيدا عن أعين أجهزة الأمن البريطانية، ظل بين الناس ومع الناس وللناس ولذا انتصر بالناس البسطاء من أمثاله، لم يكن النضال على طريقة غاندي يحتاج لملايين الدولارات ولا للحوالات البنكية ولا للحوارات الوطنية التي لا تنتهي، غاندي الرجل النحيل المتعب شبه العاري وحد بلادا شاسعة وشعبا كبير ذا أعراق وأجناس وألوان وأديان يصعب تعدادها، وقفوا جميعا خلف قيادة الرجل حتى انتصروا واجبروا جيش الامبراطورية الذي كان الجيش الاستعماري الأول في العالم على أن يندحر جارا أذيال الخيبة أمام صواريخ غاندي، صواريخ لا تحتاج لمعادن ولا لمواد كيماوية ولا تحتاج للانفجار لا في الذات ولا في الأعداء، صواريخ عتادها القوة الحقيقية النابعة من الداخل، قوة الاستعداد للصمود والاستمرار دون كلل ودون تعب ودون يأس، قوة بعيدة عن روح اللحظة الانفعالية الآنية ومليئة بقوة التواصل.

     ليس للكفاح اطارا واحدا محددا ولا وصفة طبية لا بديل لها، بل هو عمل إبداعي يتناسب والظروف الذاتية والموضوعية لكل حالة من الحالات بما يتناسب والمكان والزمان والناس، وعادة ما تقوم الشعوب والحركات التحررية بفحص أساليب عملها على ضوء النتائج المستخلصة وقد تكون التجربة الفلسطينية الوحيدة من بين حركات التحرر في العالم التي تكرر نفسها منذ بداية القرن الماضي ودون أدنى محاولة لنقد التجربة أو إجراء تغيير على الأسلوب رغم أن النتائج واحدة، فالانتفاضة الأولى مثلا بدأت هبة شعبيه حقيقية شارك بها كل الناس بلا استثناء بمسيرات جماهيرية كان الجيش الإسرائيلي يعجز عن مواجهتها وظهرت في البدايات نماذج رائعة لعدم قدرة الجيش الإسرائيلي على الدخول إلى بعض الأحياء أو المخيمات بسبب من مشاركة كل الناس بالوقوف في وجه جنود الاحتلال بأدواتهم البدائية وأقساها الحجارة، لكن هذه الانتفاضة تحولت تدريجيا إلى مجموعات مسلحة صغيرة أضفت الطابع العسكري عليها مما جعل الحركة في واد والجماهير في واد آخر وكذا أعيدت التجربة في الانتفاضة الحالية، فمن نشاط جماهيري متواصل في كل أنحاء الوطن إلى مجموعات مسلحة من الشبان بأسلحة خفيفة ينقصها العتاد والحداثة وينقصهم التدريب والتأهيل في سائر المناطق ثم لتنحسر بعد فترة لتصبح حكرا على مناطق دون الأخرى، فقد غابت مظاهر الانتفاضة عن سائر أنحاء الوطن وانحصرت في مدن جنين ونابلس ومعظم مناطق القطاع وبذا أصبح من السهل على الاحتلال الفتك بها وصار بامكانه القول انه أمام مجموعات مسلحة لا أمام حركة شعبية عارمة، كان يمكن لها أن تتطور إلى أنماط أكثر قوة وتماسكا واستمرارا.

     بدل ذلك انتقلنا إلى نموذج الصواريخ بأسماء مختلفة وهي في الحقيقة نموذج واحد يتضح من نتائج إطلاقها أنها لم تشكل خطرا حقيقيا على قوات جيش الاحتلال وهي تشبه إلى حد بعيد ذلك الذي يقوم بنبش جحر للدبابير بعصا من القش وهو يقف أمامها عاريا، مئات المرات ومئات الصواريخ أطلقت على مواقع إسرائيلية دون فائدة على الإطلاق بل على العكس كانت ردود الفعل الإسرائيلية أقسى في نتائجها مئات المرات، وقد يقول قائل إن للكفاح عواقب وان على الشعوب المكافحة في سبيل استقلالها أن تتحمل هذه النتائج وذلك صحيح مائة بالمائة شريطة أن تتمكن الشعوب المكافحة وأدواتها من إيقاع خسائر اكبر في صفوف أعدائها وليس العكس فلا يوجد ما يثبت أن جهة تواصلت خسائرها أمام أعدائها أكثر فأكثر ثم جنت النصر بعد ذلك فالنتيجة الطبيعية لتواصل الخسائر هي الإرهاق والتعب لمن يخسر أكثر بما يوصل لرضوخه للطرف المقابل والا كيف نفسر نتيجة اوسلو للانتفاضة الأولى ونتيجة العودة إلى المربع الأول للانتفاضة الحالية مع كل ما تكبدناه خلالها.

     "الامتناع عن المعاقبة لا يعني غفرانا" هذه هي الكلمات التي حاول بها غاندي أن يقول لمنتقديه أو متهميه بالاستسلام إن اللاعنف هو واحد من أشكال المقاومة وهو ما يمكن أن يسمى بأدوات دفع العدو إلى الانتحار رغما عن انفه، والغفران بحسب تعبير غاندي هو "عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعليا" بمعنى انك حين تكون قادرا على إيقاع العقاب بخصمك أو عدوك ولا تفعل فهذا يعني انك تغفر له أما حين تكون غير قادر على فعل ذلك فان عليك إيجاد أدوات الكفاح البديلة أو الطارئة أو المؤقتة والتي تمكنك من الاحتفاظ بحقك حيا، وتوفر لك أدوات طويلة الأمد تكون أنت الأقدر على التوافق معها ولا يملك خصمك القدرة على احتمال نتيجة جلدك، وأنت إذا ملزم إلى اللجوء للعنف في حالات معينه ولذا يقول غاندي " إنني قد الجأ إلى العنف ألف مرة إذا كان البديل اخصاء عرق بشري بأكمله".

      اللاعنف إذا ليس غطاء المستسلمين أو المفرطين أو الجبناء بل هو الأداة البديلة للشجعان القادرين على تحمل الظلم سنوات وسنوات في سبيل كشف عدوهم ودفعه نحو الزاوية الأخيرة، وكسب العالم الى جانبهم؛ وليس أشجع أبدا ممن يحتملون الصمود في سبيل قضاياهم وحقوقهم لفترات الطويلة فبطولة اللحظة العابرة يمكن ان تنطفئ في لحظة عابرة لكن بطولة الصمود والتواصل يقوم بها أبطال دائمون من أمثال غاندي ومن أمثال نيلسون مانديلا الذي لم تتمكن سنوات السجن الطويلة من ثنيه عن هدفه الذي خرج من السجن بتحقيقه" إن اللاعنف سلاح لا يضارع ولا يقوّم بمال وان أولئك الذين يمتهنونه لن يعرفوا الخيبة أو الهزيمة" فلا يوجد قوة على وجه الأرض قادرة على تحطيم عزيمة امة من الأمم، من الممكن لك أن تهزم جيشا بجيش اكبر وأقوى وتحطم سلاحا مهما تطور بسلاح أقوى وأكثر تطورا ولكنك لن تستطيع إجبار شعب على الرضوخ إن هو قرر بروح الجماعة أن لا يفعل ذلك، فقد تتمكن من تحطيم مجموعة هنا ومجموعة هناك أو تأخير وتعطيل فعل كفاحي هنا وفعل كفاحي هناك أو تعتقل وتقتل وتنفي العشرات والمئات والآلاف ولكنك لن تتمكن أن تعتقل أو تقتل أو تنفي شعبا بأسره ولذا فان اللاعنف هو كفاح الشعب كل الشعب لا كفاح الفئة البديلة لإرادة وحركة الجماهير.

     صواريخ لا يمكن إطلاقها بلحظة ولا يخمد صوتها بلحظة، إنها صواريخ لا تطلق من منصة معدنية بل من قلوب وعقول امة؛ صواريخ الكفاح الصلب المتواصل الذي لا ينحني، صواريخ غاندي كالصيام للجموع في مواجهة الأعداء وجبروتهم والمقاطعة بالتنازل عن كل الملذات التي توفرها مؤسسة العدو وعيش المستسلمين والعصيان الذي يلزم رواده بتحمل قسوة المحتل وجنونه وكذا تحمل الاعتقال لفترات طويلة، صواريخ مثل مجابهة الدبابات بالجلوس والبنادق بالصدور المكشوفة وهدم البيوت بتحمل الخيام والجيش المسلح الجرار بمسيرات الشيوخ والنساء والأطفال وهم مكتوفي الأيدي، صواريخ لا تطلق النار ولا الديناميت بل تتلقفه لتخرس بنادق الأعداء ومدافعهم وتحيلهم إلى عجز عن مواجهة الصمت المطبق والذي يعلن الادانة لكل سلوك المحتلين والمدافعين عنهم ومن يؤيدهم.

     اللاعنف أو الكفاح الجماعي الفاعل باستخدام الذات كسلاح ممكن هو وسيلة من الوسائل التي على الشعوب المناضلة في سبيل حريتها ان تضعه كواحد من الخيارات الممكنة والتي لا ينبغي اللجوء إليها إلا حين تعجز عن إيقاع العقاب السريع والمباشر بعدوك.

التعليق