تكنولوجيا الإعلام : عزلـة وقطيعة في القرية الاتصالية

تم نشره في السبت 19 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

 
    
     من المؤكد إن طبيعة الاستثمار الرأسمالي في مجال تكنولوجيا الاتصال قد أوصلت البيئة الاتصالية إلى الوضع الراهن، وعلى الرغم من جدية القول بأن منطق السوق والرأسمال الاستثماري بحاجة عبر تطوره التاريخي إلى إيجاد حاجات جديدة باستمرار وميول استهلاكية أخرى جديدة، إلا إن الرؤية الاستراتيجية تؤكد مدى فداحة خسارة الرأسمالية العالمية الجديدة إذ خسرت نموذجها التاريخي في القرية الكونية التي توحد الحاجات وتوحد أنماط الاستهلاك، ولقد أدى ظهور مخترعات الاتصال الجديدة إلى ميل الأفراد نحو الانعزال في جماعات صغيرة ومتناثرة الأهداف والحاجات وقليلة الارتباط والتماسك عن طريق نموذج الخدمات (تحت الطلب) ومن خلال استخدام بعض المفاتيح الصغيرة التي تلبي حاجاتهم إلى المعلومات والترفيه وبذلك انتقلت وظيفة تحديد الرسائل التي يتعرض لها الفرد من سيطرة القائم على الاتصال إلى سيطرة الأفراد أنفسهم .

     أما أهم مظاهر التحول العالمي من الاتصال الجماهيري الموجه إلى الجماهير عامة وإلى الأفراد ،ولاحقاً من الفردية إلى الذاتية نستعرضها من خلال تناول طبيعة التطبيقات التكنولوجية الأخيرة وتأثيرها على المجتمع الاتصالي :

-أتاحت تكنولوجيا الأقمار الصناعية منذ نهاية الثمانينيات حلم البث المباشر عبر الفضاء ، حيث دخل التلفزيون عصر السماوات المفتوحة التي أتاحت للمشاهد حرية الانتقال بين (مئات)   المحطات في الحد الأدنى بثمن زهيد ، واصبح الحديث التقليدي عن قدرة التلفزيون في توحيد الوعي ونقل التراث وصياغة الهوية بحكم الماضي البعيد ، لقد نقلت تكنولوجيا الأقمار الصناعية التلفزيون من وسيلة اتصال جماهيري ووضعته على الدرجة الأولى في رحلة تفتيت الجماهيري وتحويل خبرة الاتصال من مضمونها الجماهيري إلى خبرة فردية معزولة.

-ظهور التلفزيون التفاعلي الذي أدى إلى إيجاد استخدامات جديدة لجهاز الاستقبال التلفزيوني التقليدي مثل استخدام التلفزيون من خلال قائمة الخدمات والقنوات الكبيرة جدا التي تتيحها خدمة الكابل من قبيل إتاحة المجال أمام المشاهد الفرد لاختيار ما يحتاجه من الأفلام والموسيقى والبرامج والمعلومات، وفي الأوقات التي تناسبه تماماً ، إلى جانب استخدام خدمات التعامل مع البنوك وخدمات شراء السلع واستخدام التلفزيون كصحيفة يومية ، وعن طريق ربط الكابل بالحاسب الآلي يمكن تلقي خدمات متنوعة وهائلة أخبارية وترفيهية وثقافية ورياضية وتعليمية وغير ذلك، ومن خلال الاتصال التفاعلي في الاتجاهين وجميع هذه التطورات وما تتيحه من خدمات تكرس الواقع الفردي والانعزال وتعمل على تفتيت الجماهير لأن قرار اختيار التعرض عادة ما يكون فردياً.

-الانتقال من التلفزيون التفاعلي التقليدي إلى التلفزيون التفاعلي الذكي ، حيث يمر التلفزيون حالياً بتحولات جذرية وعميقة ، لقد بدأت عدة شركات تطبيق تكنولوجيا حاسوبية واتصالية متقدمة لاعادة تصنيع هذا الجهاز بحيث يصبح وسيطا إعلامياً جديداً يجعل من تلفزيون اليوم مجرد ذكرى بعيدة ، فيما سوف يسيطر التلفزيون الذكي، وهو وسيط متفاعل ثنائي الاتجاه يربط المنازل بفيض من أفاق جديدة ، لا تضمن الفردية وحدها هذه المرة ، بل الانتقال من  الفردية إلى الذاتية المغلقة عبر ما تتيحه الشاشة الجديدة من إمكانيات تلغي فكرة التنوع المذهل لتلفزيون البث المباشر والانتقال نحو فكرة المشاهدة الذاتية التي يحددها المشاهد بواسطة أنظمة حاسوبية ذكية وحسب ما يشبع خصائصه النفسية والاجتماعية، وسيشاهد البرنامج المطلوب في أي وقت كما هو الحال باستدعاء مادة من ذاكرة الحاسوب كل ذلك عن طريق أدلة وموجهات البرمجة الذكية.

    وسوف تنتقل المشاهدة التفاعلية إلى المسرح والسينما التي ستعتمد عروضها على النهايات المتنوعة ، حيث يجرب منتجو الأفلام السينمائية إنتاج أفلام متعددة النهايات ، وذلك من خلال المشاهدة التفاعلية المعتمدة على برمجة حاسوبية ، فما على المشاهد إلا الضغط على أزرار عند المقعد لاختيار النهاية التي يريدها كذلك التحكم باركان وسير الأحداث في فترات الذروة في الأفلام ، إن خبرة مشاهدة الفيلم الواحد لن تعد مشتركة وواحدة.

- ظهور محطات التلفزيون ذات القوة المنخفضة (LPTV ) حيث لا يتجاوز نطاق إرسالها مساحة بسيطة لعدة كيلومترات، وتخدم فئات صغيرة من المجتمع بدلا من التوجه إلى الجماهير العريضة ، ووصل عدد هذه المحطات في الولايات المتحدة إلى اكثر من (4000) محطة.

- تزايد انتشار محطات الراديـو بالتردد (F.M) في الإرسال الإذاعي بدلا من النظام (A.M) والأول موجه إلى الإرسال المحلي ومناطق جغرافية محدودة، أي ازدياد التوجه نحو مخاطبة اعداد قليلة من الجماهير، بدلا من الإذاعات الجماهيرية الموجهة على مستوى الأمة أو الدولة أو على المستوى العالمي، إلى جانب التوسع في استخدام خدمات الراديو منخفضة القوة وهي إذاعات ذات نطاق إرسال محدود للغاية.

- الانتشار الهائل لوسائل تكنولوجية جديدة لنقل المعلومات بشكل فردي مثل الفيديوتكس والتليتكست وقواعد البيانات والبريد الإلكتروني، وجميعها وسائل تعمل على تعزيز الاتصال الفردي مع الآلات على حساب الاتصال الشخصي بين الأفراد وتساهم كذلك في تدني استخدام وسائل الاتصال الجماهيري مثل الصحف والتلفزيون والراديو مما يؤدي في رأي علماء الاجتماع إلى عزلة نفسية واجتماعية لدى الأفراد إلى جانب ان هذا التطور سيؤدي إلى إلغاء العديد من المهام التقليدية التي كانت وسائل الاتصال الجماهيري تقوم بها مثل الإعلام والتعليم المشترك ونقل التراث والتنشئة الاجتماعية0

- أتاحت التكنولوجيا المعاصرة في مجال الاتصال ظهور أجهزة صغيرة جدا في الحجم يمكن وضعها في الجيب ولا يزيد حجم الشاشة فيها عن بوصتين مع سماعة رأس خفيفة الوزن، ويشير هذا الاتجاه إلى تحويل مشاهدة التلفزيون إلى عملية ذاتية تماماً إلى جانب الخدمة الجديدة التي طورتها شبكة (ABC) الأميركية المتمثلة في نظام نقل الأفلام ومواد التلفزيون من خلال تكنولوجيا الكابل أثناء ساعات الليل، وذلك على أجهزة فيديو كاسيت مزودة بعداد زمني مقابل تقديم رسوم قليلة يدفعها المتلقي الذي يدير هذه الأشرطة بأسلوب (Play Back  ) وهذا الاستخدام يجعل التلفزيون عاملا شخصيا يشبه قراءة الكتب.

    ان عملية تفتيت الاتصال الجماهيري وبعثرة المتلقين التي باتت تمارسها التكنولوجيا المعاصرة علاوة على كونها تتيح للأفراد قدرا من التحكم في نوع الوسيلة المستخدمة واختيار المضمون، إلا إنها ظاهرة بدأت تعمل على تضييق اهتمامات الأفراد ووضع اجندة خاصة بهم في القراءة والاستماع والمشاهدة يظهر فيها التباين الذي طالما أرق مهندسي الاتصال الجماهيري في معادلة ما يريده المتلقي وما يحتاجه بالفعل، فالعادة حينما يتعرض الملتقي لوسائل الاتصال الجماهيري نجد انه من الصعب تجنب بعض الأخبار الأجنبية أو المعلومات الخارجة عن دائرة الاهتمام الذاتي، وهذا التعرض يؤدي عادة إلى زيادة اهتمامنا وتوسيع مداركنا وآفاقنا، وهو التعرض الذي يمنح المتلقي الكثير من المعارف في شؤون العالم ويحقق اندماجا أساسيا مع توجهات الرأي العام، ولكن عملية تفتيت الاتصال سوف تؤدي إلى تقليص الخبرات المشتركة التي تعودت وسائل الاتصال الجماهيري إنتاجها، ليحل مكانها خبرات فردية أو خبرات أبناء الفئة المتجانسة الواحدة على حساب الخبرات الجماهيرية الواسعة التي كانت تتيحها وسائل الاتصال الجماهيري، وسوف يؤدي هذا الأمر إلى التقليل من قدرة أجهزة الدولة والمجتمع المدني الكبرى في تحقيق الاتفاق والالتفاف حول البرامج السياسية والاقتصادية والثقافية التي تطرحها الدولة ومؤسساتها للصالح العام.

     ومن جهة أخرى، سنجد ان ما ينطبق على المجتمعات سوف ينطبق على الأسر، فمن المتوقع أن التعامل الفردي مع الاتصال سيؤدي إلى تضاؤل الخبرات المشتركة بين الزوج والزوجة وبين الآباء والأبناء، وسيؤدي إلى صعوبة في التفاهم والى الاختلاف حول القيم، علاوة على أن هذه التكنولوجيا ستعمل على انتهاك خصوصية الأفراد أنفسهم.

     إن المشهد القادم لمستقبل وسائل الاتصال الجماهيري مرتبط إلى حد كبير بطبيعة التغيرات التكنولوجية التي حدثت مؤخرا أو صراعها أو توحدها مع أهداف الاستثمار في التكنولوجيا، إلى أن المشهدين المتوقع حدوث أحدهما خلال النصف الأول من القرن الجديد وهما المزيد من التفتيت للاتصال الجماهيري أو تكريس الهيمنة والاندماج لوسائل الاتصال في سلاسل احتكارية ضخمة، لا يشيران إلى أي تفاؤل في دول العالم النامي التي ما تزال بعيدة عن كنه هذه التطورات، إلى جانب ما تحمله من مقدمات لهدم مفهوم (المواطنة ) لكن يبقى التساؤل والأفق مفتوحاً حول دور هذه التطورات في تدعيم الديمقراطيـة.
 [email protected]
            

التعليق