من يحمي الحرية في لبنان من الارهاب السياسي المنظم؟

تم نشره في الثلاثاء 15 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 


من السابق لأوانه التكهن حول الجهة او الجهات التي تواطأت ونفذت عملية الاغتيال السياسي لرئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في حادث ارهابي دبر بدرجة عالية من الدقة والاحتراف قد يكون بهدف اسكات كل لبناني يفكر بالانحياز لاستقلال بلاده السياسي ولارادتها الحرة ومحاولة اغراق المشهد الاقليمي المتوتر بمزيد من التصارع والانفلات.


قد يختلف او يتفق العديد من اللبنانيين وغيرهم حول جوانب كثيرة متعلقة بسياسات الحريري الاقتصادية والاجتماعية وسط مزاعم حول ممارساتٍ كالفساد والمحسوبية كانت رائحتها تزكم الانوف خلال مراحل حكمه، ولكن معظمهم يجمع ان يديه لم تتلطخا بحمام دم الحرب الاهلية التي اتت على بلادة لاكثر من عقدين قبل ان تبدأ مرحلة التحول السلمي بداية 1990، وانه مثّل ما يسمى بتيار السلام والحوار السلمي.


  فاستهداف حياة سياسي ورجل دولة من طراز رفيع كالحريري، الذي يحظى بشبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية، وخاصة مع السعودية، وامريكا وفرنسا، لم تكن مفاجئة، وتتقاطع مع ظروف ومعطيات اقليمية وعالمية متغيرة ليست لصالح سوريا ولا لبنان منذ صدور قرار الامم المتحدة رقم 1559. وهذه الاوضاع، بالتأكيد مرشحة ان تسوء اكثر في حال تكشفت الحقائق حول الجهة المنفذه لعملية "يوم الاثنين الاسود" في بيروت.


  فلشهور خلت، حذرت قوى عالمية وعربية الحريري من انه مستهدف وان ثمة خطرا محدقا يهدد حياته؛ فكان اول انذار له عبر محاولة اغتيال الوزير السابق والمقرب اليه مروان حمادة مؤخرا. وقبيل ذلك قصْف مقر تلفزيون المستقبل الذي يمتلكه بصاروخ حمل تهديدا آخر بضرورة التزام الصمت، ووضع قماش اسود على افواه المعارضة الوطنية التي تزداد قوة يوما بعد يوم  والتي ترفض ان يبقى صوت بيروت وارادة لبنان السياسية بيد الخارج.


   وخاض الحريري مؤخرا حملة قوية ضد تعديل قانون الانتخاب واعادة تقسيم الدوائر قبل موعد انتخابات نيسان/ ابريل، وقبل ذلك قَبِلَ على مضض قرار البرلمان بالتمديد لفترة اخرى لرئيس الجمهورية اميل لحود، حليف دمشق الرئيسي في لبنان، واصبح يتقدم اكثر نحو المعارضة اللبنانية التي تطالب بضرورة خروج سوريا من لبنان، وبضرورة بناء علاقات ثنائية بين الاشقاء السوريين واللبنانيين تحافظ على الخصوصية الوثيقة،  لكن على اسس واضحة من السيادة والاستقلال والاحترام المتبادل. فكل لبناني طلب ويطالب بذلك اصبح يصنف بخانة بالخيانة والعمالة او بأنه بوق للمشروع الامبريالي الصهيوني ، او ان مصالحه الشخصية مهددة بسبب الوجود السوري هناك.


 وهناك تحذيرات اخرى من محاولات تصفية الزعيم الدرزي المعارض وليد جنبلاط، الذي انقلب مؤخرا على حاله، وبدأ ينادي بضرورة خروج سوريا من لبنان، وتنفيذ قرار الامم المتحدة  1559 ليجنب بلاده المزيد من الويلات والضغوطات بعد ان ادعى ان دمشق كانت وراء اغتيال والده كمال جنبلاط.
فالحال ان خيار الحرية في لبنان يقف اليوم على شفير هاوية، فهذا الخيار والقوى التي تمثله بحاجة للحماية، لان الخطر الذي يهددها ليس داخليا بحتا، وانما مزيج من قوى داخلية متشابكة مع عواصم اخرى ومدعومة من اجهزة امنية واستخباراتية غريبة، ومن الضروري التأكد ان لا يتكرر مسلسل الاغتيالات السياسية الكيدية، الذي قد يلقي بظلاله على مسيرة المصالحة الداخلية التي قطعت شوطا كبيرا منذ صدور وثيقة اتفاق الطائف للاصلاح في منتصف الثمانينيات.
 فمسؤولية ما حصل للحريري امس تقع على عاتق حكومة الرئيس عمر كرامي الذي خلفه قبل عدة شهور، وعلى الجهات الامنية والاستخباراتية اللبنانية المساندة للدولة، والمأمول ان تتكشف سريعا خيوط عملية الاغتيال الاخيرة والعقول المدبرة المريضة التي وقفت وراءها ، بدلا من استمرار مسلسل التكتم على العديد من الجهات التي وقفت وراء عمليات اغتيال سياسية مشابهة في لبنان جرت خلال السنوات السابقة.


 العالم كله يراهن على نضج المعارضة الوطنية اللبنانية التي اصبحت كتلة اكثر تماسكا وحيوية، لكي تكمل مسيرة عودة السيادة والاستقلال الى لبنان، بدلا من ان توجه بيروت نحو شفير الفتنة او تبقيها ساحة خلفية لكل من يريد تصفية حساباته مع سوريا.


 ولكن الاهم من ذلك، ان شبح الاغتيالات السياسية سيظل مخيما على افق سماء العديد من الدول في الاقليم،  مثل لبنان والعراق وغيرهما، اذا ما استمرت جماعاتٍ، غير الحكومة المركزية، في امتلاك السلاح والمتفجرات، ولم تقم الحكومات والانظمة بتنفيذ مسؤولياتها السيادية وفقا للقانون والدستور.
حمى الله لبنان واللبنانيين وكل العرب!

التعليق