إبراهيم غرايبة

الطاقة تغير كل شيء

تم نشره في الأربعاء 9 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

    "كيف ذهب نفطنا إلى آبارهم؟" ربما تعبر هذه النكته عن أبعد من شعور أميركي بضرورة الاستيلاء على مصادر الطاقة والهيمنة عليها، فالطاقة والتنافس عليها والسعي لتحصيلها يغير كل شيء في العلاقات الدولية والاقتصاد والتقنية أيضا، حتى إن إندور هيترمان وإيفان سولومون يريان المستقبل هو الطاقة، أو بعبارة أدق فإن عنوان كتابهما يعبر عن حلول الطاقة في المستقبل "fueling the future"


    وقد عرف القرن الماضي حروبا ضارية وخسائر بشرية ومالية وفنية ضخمة لأجل السيطرة على الطاقة، ففي العام 1941 مني هتلر بهزيمة نكراء في روسيا حين ذهب غازيا محاولا السيطرة على حقول النفط في القفقاس، واليابان دفعت ثمنا غاليا لأجيال حين حاولت السيطرة على النفط شرق المحيط الهندي وطرد أميركا من المنطقة؛ فمعركة بيرل هاربر المشهورة جلبت على اليابان قنبلة أميركية نووية على هيروشيما ونكازاكي، وأما المنطقة العربية فما زالت تعاني من آثار حربي الخليج والتي حركتها إغراءات السيطرة على مزيد من النفط و"الدفاع" عنه.


     ويكاد يبدو متفقا عليه في الغرب أن عام  1973، وهي السنة التي فرضت فيها أوبك (منظمة الدول المصدرة للنفط) حظرا على النفط للولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل في حرب رمضان/ تشرين/ أكتوبر.


     لقد كان الحظر صفعة قوية للغرب كشفت مدى هشاشة مدنيته، وشدة اعتماد حياة الناس اليومية في الغرب على النفط، وعلى أثر ذلك انطلقت مشروعات وحركات عدة، مثل: الحركات البيئية، وصناعة الطاقة البديلة، وأبحاث هائلة وتطويرات واسعة لإيجاد أشكال اكثر فعالية للتكنولوجيات الموجودة، وغني عن القول إنها حركت المطامع الغربية، وأوجدت قناعات بأهمية السيطرة على منابع النفط في الشرق الأوسط، وكانت من دوافع ومحركات حرب الخليج الأولى والثانية، واحتلال العراق.


    ويعرض "جوردن ليرد" التحول الذي طرأ على مجتمع الإسكيمو في شمال غرب كندا، حيث لجأت الشركات المستثمرة في الغاز الطبيعي والنفط إلى مشاركة السكان الأصليين، باعتبارهم ملاّك الأرض في المشاريع وعوائدها لتجنب التوتر والنزاع الذي يؤثر على أرباح تلك الشركات وقيمة أسهمها.


     وتظهر المصادر الحكومية أن 50% من الأموال الحكومية المنفقة على تطوير الموارد تنفق في إطار يدعم صناعة النفط والغاز، مثل بناء الطرق، في حين أن 10% فقط يخصص للتنوع الاقتصادي والتأثيرات الاجتماعية والإدارة البيئية.
     ويعرض "ليرد" الحالة الصينية والنمو الاقتصادي المذهل الذي حققته عبر عقدين والذي يعود الفضل في تحقيقه للطاقة والعمالة قليلة الكلفة، ولكنها مزايا قائمة على انتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان وتغييرات اجتماعية وسياسية وديموغرافية لولاية زياننج المسلمة، حيث غزت النخب الصينية المستثمرة في حقول النفط الولاية مغيرة تركيبها الديموغرافي، بل إنها تهدد بإلحاق أضرار كبيرة بالمعالم الحضارية للولاية، ويهدد لظلم في اقتسام الثروة بتجديد الصراع القائم بين الانفصاليين والحكومة الصينية.


    ويرد "ليرد" غياب هذه القضية عن ساحة الرأي العام إلى أن شركاء الصين التجاريين اختاروا أن يتجاهلوا كل ما يجري مقابل بقاء تدفق البضائع الصينية الرخيصة الثمن إلى أسواقهم.


    هذه الصراعات والسماح بوجودها يأتي بسبب الاعتماد الكلي على النفط، والذي يعد للان اكثر مصادر الطاقة رخصا ووفرة بالرغم انه من المصادر غير المتجددة، بمعنى أننا آجلا أم عاجلا سنحتاج أن نبحث عن بديل لأننا مع ازدياد استهلاكنا للنفط سنستنفذه وسيزيد ثمنه.


وكان الاتحاد الأوروبي سباقا ومتقدما على أمريكا الشمالية في إدراك هذه الحقيقة، وفي السعي للتحول نحو مصادر بديلة للنفط في الحصول على الطاقة، وأكد رئيس الاتحاد الأوروبي رومانو برودي في عام  2002 أن الانتقال نحو الوقود الهيدروجيني سيكون ثاني اضخم مشروع أوروبي بعد استخدام اليورو.


الطاقة الهيدروجينية  هل تكون بديلا للنفط؟


    يرى بعض الخبراء أن الهيدروجين كمصدر للطاقة يمكن أن ينهي اعتماد العالم على النفط، ويمكن أيضا أن يقلل من كميات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة في الهواء، وتخفيف التلوث العالمي وما يسببه من تغيير في مناخ الأرض أو ما يعرف بظاهرة " الإحماء الكوني".


     ويرون أن الانتقال للحقبة الهيدروجينية سيوفر مناخا اقتصاديا عالميا مستقرا للأجيال القادمة، وسيحرر الأيدي العاملة من الأعمال اليومية، ويمكن ربط المجتمعات في كافة أنحاء العالم بشبكات توليد الطاقة وتوزيعها، فالخلية الهيدروجينية يمكن أن تكون مصدرا لتوليد الطاقة وموزعا لها أيضا، وهذا سيؤدي إلى هدم الأشكال المركزية القائمة اليوم في العالم لتوزيع الطاقة والكهرباء.


     فالأفراد في نظام الطاقة المركزي الحالي هم متلقون لحصص من الطاقة من مراكز محددة، ولكن الخلية الهيدروجينية تجعل الفرد موزعا للطاقة كما هو مستهلك لها، وهذا بالطبع سيعيد بناء الكثير من العلاقات ويقلل من التحكم والاحتكار الذي تتمتع به شركات الطاقة والحكومات وتتيح المزيد من التحرر المالي للأفراد.


    ويتطلب التحول إلى الحقبة الهيدروجينية إعادة النظر في البنى التحتية القائمة وتعديلها إذا أرادت الدول وبخاصة في العالم النامي أن تكتفي ذاتيا من الطاقة وتتحرر من الاعتماد على استيرادها من الخارج.


    وهناك بدائل أخرى متاحة كمصادر للطاقة، مثل الطاقة الشمسية، والرياح، والحرق النظيف للفحم، وهذه المصادر النظيفة للطاقة مرشحة لتمكننا من تجميد التدهور في مناخ الأرض بحلول العام 2050 وتلبية الوقت الطلب المتزايد على الطاق، فالعالم يواجه اليوم مشكلات جدية بسبب التغير في المناخ.

التعليق