كل جهد خارج "مشروع النهضة" هو جهد ضائع

تم نشره في الأربعاء 9 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

     كثيرة هي المشروعات التي تملأ هذا الليل العربي البهيم، وكثيرة بالتالي هي الجهود التي تبذل فيها. بعضها يريد تغيير أفكار الناس، وبعضها يريد تحرير فلسطين، وبعضها يقاوم العولمة، وبعضها يناهض الاستبداد، ومنها ما هو دون ذلك من حيث الطموح: كالأمل في تطوير السياحة، أو تدوين التاريخ الشعبي لمنطقة معينة، أو تحقيق الأحلام الشخصية، كما أن للبعض طموحات تخريبية لا تخفى.


    الناظر لعموم المشهد العربي من بعيد، سيرى بوضوح أن ثمة مشروعات فئوية كثيرة مختلفة الأهداف، لكنه لن يرى مشروعاً واحداً جامعاً يعمل العرب كلهم لتحقيقه، ويمثل طموحهم الواحد باعتبارهم جسماً واحداً، أو على الأقل أصحاب مصلحة واحدة، أو –أقل من ذلك- يواجهون خطراً حقيقياً واحداً.


      العرب –باختصار- ليس لديهم مشروع نهضوي حقيقي ينقلهم من "الظلمات إلى النور"، على الشاكلة التي لدى أمم الأرض الأخرى، ولا حتى على الشاكلة التي كانت للأمم التي هُزمت يوماً ما، فوضعت لنفسها مشروعاً نهضت على أساسه من جديد. وكل ما يُقال عن "النهضة العربية" هو محض كلام لا حظّ له في الواقع.


       المشروع النهضوي العربي الحقيقي هو ذاك الذي يصمم على تغيير حال "الهزيمة الشاملة" التي يعيشها العرب، في أقطارهم وفي مهاجرهم، في المستويات المادية والمعنوية، وإلى الدرجة التي يشعرون فيها –وبكل موضوعية- بالذل كونهم عرباً يعيشون هذه المرحلة التاريخية، إلى الحالة التي تتوفر فيها أسباب العزة المادية، فتنعكس معنوياً على شكل شعور حقيقي بالاعتزاز بالانتماء إلى "العرب المعاصرين"، على الشاكلة التي تتوفر اليوم –مثلاً- للأميركيين الذين يعتزون بكونهم أميركيين.


      إن هكذا مشروع نهضوي عربي لا بد أن يتأسس على الشروط الموضوعية الخمسة التالية:


1- إنه مشروع "فوق قطري"، فليس من المنطق القول إن قُطراً عربياً واحداً، أياً كانت إمكاناته، قادر على تحقيق نهضة تكافئ النهضات الحاصلة في أميركا، أو أوروبا، أو جنوب شرق آسيا.


2- إنه مشروع "عصري"، يبدأ من نقطة الصفر التي هي الواقع الراهن، ويهمل "الكلام الفارغ" القائم على الاعتزاز بالتراث، فالمقارنة الحقيقية والمفيدة يجب أن تكون بين حالنا وحال معاصرينا من الأمم الأخرى، لا بينهم وبين أجدادنا!


3- إنه مشروع "دكتاتوري"، بمعنى أن على كل العرب، أينما حلوا، الانخراط فيه، دون أن يعني ذلك الحاجة لوجود سلطة دكتاتورية تطبقه، فالدكتاتورية هنا أخلاقية فقط.


4- إنه مشروع "وحيد"، فلا مكان للمشروعات الأخرى القُطرية والفئوية الصغيرة أثناء انشغال العرب بحالهم الذليل وسعيهم للانتقال إلى حالة أفضل.


5- إنه مشروع "ذو أولوية"، يسبق التخلص من الاستبداد وتحرير فلسطين ومناهضة الإمبريالية، فتلك كلها لا يمكن أن تتحقق إلا على يد أمة ناهضة، بمعنى أنها ستكون نتائج للنهضة، وستكون النهضة سبباً لها.


     فإذا كانت النهضة هي سبب كل نجاح يمكن أن يحققه العرب، وإذا كان أي هدف صغر أو كبُر غير ممكن التحقق دونما تحقيق النهضة، أمكننا القول إن أي جهد يبذله العرب حالياً، في أي مشروع سوى مشروع النهضة، هو في الحقيقة جهد ضائع ومهدر ولا قيمة له، لأنه بمثابة البناء دون أساس.


     ليس ذلك فقط، بل إن حال العرب، ما لم يبادروا بالعمل على تحديد وإنجاز مشروع النهضة، لا يمكن أن يتقدم مهما عملوا في المشروعات المتفرقة الأخرى، وبما أن أمم الأرض الأخرى تتقدم باطّراد، فإن الثبات على الحال يعني عملياً التراجع إلى الوراء، ما دامت أحوال البشر تُقاس نسبة إلى ما هو متحقق عند الأكثر تقدماً منهم.


      لكن ما هو –عملياً- مشروع النهضة؟ إنه أولاً وقبل كل شيء الانتهاء من، وتجاوز، وتحريم، حالة التخلف التي يعيشها العرب من حيث هم أفراد ومن حيث هم مجموعات (تسمى مجتمعات) على المستويين التاليين:


1- الروابط والعلاقات فيما بينهم، وذلك بإقامتها على قيمة الفرد بدل قيم عصبية الدم والقربى، أي الانتقال من البداوة الشاملة إلى المدنية الحقيقية لا الاسمية فقط.


2- منهجية التفكير، وذلك بالانطلاق بها من حفظ المسلمات وتكرارها إلى التفكير النقدي التساؤلي الذي لا يقبل شيئاً دون اقتناع وفهم.

    فإذا حُرّم التخلف، أمكن الحديث عن استثمار الكفاءات لتحقيق "اكتفاء ذاتي" صناعي وزراعي يضمن استقلال الإرادة والقرار العربيين، ثم تطوير الكفاءات غير المطورة والاهتمام بإدامتها باعتبارها ما يوفر الأساس المادي للنهضة التي تنعكس معنوياً على هيئة إحساس بالعزة.


     ذلك اللاتخلف، ومعه الاستقلال، هو ما يمكن أن يقود للتخلص من المستعمر ومن المُعتاشين عليه، بما فيهم الوجود الصهيوني في فلسطين. قد يحتج البعض أن نقاط البداية تلك لا يمكن أن تتحقق، وأن التخلص من الاستبداد أولى منها لأنه سيتيح المجال لتحقيقها. ذلك غير صحيح، لأن التخلص من الاستبداد الحالي في ظل حالة التخلف القائمة سيعني أحد أمرين: إما وضع التخلف في السلطة محل الاستبداد على الطريقة التي حصلت حين أُزيح الاستبداد المتمثل بسلطة صدام حسين من أمام الشعب العراقي قبل أن ينجز تخلصه من التخلف (على مستويي الروابط ومنهجية التفكير)، أو أن يكون ضرورياً الإتيان باستبداد جديد تحت اسم مختلف على الطريقة التي حصلت في مصر على يد جمال عبد الناصر بعد إزاحة السلطة المستبدة السابقة.


      وما دام "التخلص من الاستبداد" ليس هو محور العمل الأساسي المطلوب، فإن تعليق الجرس في مسألة مشروع النهضة العربية ليس مناطاً بالدرجة الأولى بالسياسيين ولا بالعسكريين الانقلابيين، وإنما بالمثقفين، وبشكل رئيسي بالمفكرين، لأن التغيير النهضوي المطلوب هو تغيير فكري. لكن ولما كانت أفكار المفكرين العرب معدومة التأثير في نفوس أكثر الناس لأسباب موضوعية شتى (منها التخلف القائم نفسه)، فإن واجب المفكرين بداية أن يستعيدوا مكانتهم المعنوية التي تجعل الناس يسمعون لهم ويطيعون، وهي المكانة التي اغتصبها منهم غيرهم من الجهلة من أمثال أنصاف المتعلمين من خطباء المساجد ورجال الدين المتسمين بـ"العلماء"، ومن أمثال الطفيليات المُعتاشة على تمجيد السلاطين، إذ بغير ذلك يكون التغيير الفكري المأمول ابتداءً مستحيلاً. إن مشروع النهضة الحقيقي لا يمكن أن يبدأ ولا حتى أن يكون قبل أن يستعيد المفكرون الكلمة العليا بين الناس ما يتيح أن تنتقل أفكارهم من الكتب إلى أرض الواقع. أما كيف يستعيدون تلك المكانة فتلك مسألتهم هم إذا كانوا مفكرين حقيقيين.
www.jowriters.org/writers/samer

التعليق