هل من مغامرة جديدة ضد ايران?

تم نشره في الثلاثاء 8 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 


بعد تعثر المغامرة العراقية اتجهت التوقعات نحو الاعتقاد بأن مغامرة جديدة اخرى لن تستهدف لا دمشق ولا طهران, في الوقت الراهن على الاقل, بالرغم من ان مخطط المحافظين الجدد تضمن, منذ عددٍ من الزمان, نظام الحكم في هذين البلدين, كما استهدف نظام صدام حسين في العراق.


ولكن الرئيس بوش جدد الحملة على سوريا وايران في خطابه عن حالة الاتحاد الاسبوع الفائت, منتداً برعاية البلدين للارهاب, وبسعي ايران لامتلاك السلاح النووي. وفي هذا ما يسبب قلقاً بالغاً لدول وشعوب هذه المنطقة, لان اية مغامرات جديدة من شأنها ان تفرقها في مهاوي غير مسبوقة من عدم الاستقرار والاضطراب والبليلة السياسية والعنف.


وليس في تصريحات وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس خلال جولتها الاوروبية  ما يبعث على الاطمئنان, بما في ذلك قولها "ان الاجراء العسكري ليس على جدول اعمالنا, ولدينا وسائل دبلوماسية لنفعل ذلك", مشيرة الى موضوع التعامل مع ايران.


وقد سبق الحرب على العراق تصريح مماثل للسيدة رايس حيث صرحت في 20/10/2002 "سوف نعمل على ايجاد حل سلمي لهذا "لي لموضوع العراق" ونعتقد ان ذلك يمكن". ولم يحل موضوع العراق سلمياً, ووقعت الحرب وما زالت عواقبها تتفاقم.


ولما احتدم الجدل خلال قدرة الرئيس بوش على التراجع بعد ان كان قد صعد الحملة على العراق, وبعد ان كان قد روج للحرب لدرجة ان قراره اصبح اسير ذلك التصعيد والترويج, حتى وجد نفسه امام احد خيارين اما فقدان المصداقية او المضي في مغامرة غير مأمونة العواقب, فكانت المغامرة.


والمخيف الان, ان يؤدي التصعيد الى وضع مشابه لا يكون الخروج منه الا بمغامرة عسكرية جديدة, من المؤكد ان عواقبها ستكون اعظم واخطر, كما انها ستدمر كل ما بقي قائماً من العلاقات بين اميركا من جهته والعالمين العربي والاسلامي من جهة ثانية.


فكيف سيكون المبرر لاي عمل عسكري يستهدف ايران, في غياب اي دليل مقنع على ان ايران هي فعلاً "الدولة الاولى في العالم التي تدعم الارهاب" كما وصفها الرئيس الاميركي في خطابه وكيف يمكن تبرير حربٍ جديدة على اساس ادعاءات مجردة عن الواقع, وبينما لا يزال الذهول يستبد بالعالم بعد ان تبين ان كل مسوغات الحرب على العراق كانت باطلة, وخادعة, ولا صلة لها بالحقيقة.


واذا كانت ايران قد خرقت بالفعل اياً من التزاماتها الدولية فيما يتعلق ببرنامجها النووي فما معنى ان لا يترك للمنظمة الاولية للطاقة الذرية ان يعالج الامر بموجب القانون الدولي, او ان يترك الامر لمجلس الامن ليتصرف به بحسب مقتضيات الميثاق. والمفروض ان الاتحاد الاوروبي قد تولى التفاوض مع طهران حول هذه القضية وتوصل الى نتائج مرضية. فلم التهديد والتصعيد بصدد مسألة لم تستعصي على اي من الجهود المبذولة للتوصل الى افضل الحلول بشأنها.


اكبر مواقع الخلل في النظام الدولي تطبيق المعايير المزدوجة, التي نشهد نموذجاً جديداً صارخاً للعودة اليها, بعد ان تبين للعالم بأسره انها مسؤولة عن انهيار هيبة الامم المتحدة والقانون الدولي فبينما توجه اصابع الاتهام لايران والى سوريا كدولٍ تؤيد الارهاب او تسعى لامتلاك اسلحة محظورة, لا نسمع كلمة عن اسرائيل التي كانت اول من ادخل السلاح النووي للمنطقة منذ نصف قرن. واسرائيل تحتل اراضيٍ سورية منذ عام 1967 ولكن سوريا هي المتهمة. واسرائيل هي التي ترفض الامتثال للارادة الدولية وهي التي ترفض الانصياع لقرارات الامم المتحدة بصورة دائمة, وهي التي تنتهك حقوق الانسان وتمارس العدوان ومع ذلك هي البريئة وكل من يعارضها متهم, لا بل مدان.


ليس سراً ان السبب الرئيسي من وراء استهداف سوريا وايران هو الاعتقاد بأن هذين النظامين معاديين لاسرائيل وان الاصرار على الصاق تهمة الارهاب بهما يعود للعلاقة المنسوبة اليهما بحزب الله في جنوب لبنان. ذلك طبعاً بالاضافة لما نسب للبلدين من "نشاط ارهابي" في العراق, ولا نعلم اذا قدم اي دليل مقنع لاثبات اي من هذه التهم.


المهم ان مقياس الغضب او الرضى على اي بلدٍ هو موقف ذلك البلد من اسرائيل. والاهم ان العالم لن يشهد اي استقرار ولن يتمكن من التخلص من شر العنف والارهاب ما ظل مستكيناً للمحاباة والظلم ومستسلماً لحكم المعايير المزدوجة.
قد يكون من حق اية دولة,  والولايات المتحدة بالذات, ان تقف بجانب اسرائيل اذا تعرضت للاعتداء. ولكن, وحتى تؤهل اسرائيل نفسها لمثل هذا الدعم فإن عليها ان تنهي احتلالها, وتوقف عدوانها, وتلتزم باحترامها للقانون الدولي وللمواثيق التي تحكم العلاقات بين الدول.


اما ان ينقلب المنطق رأساً على عقب, فيصبح المعتدي هو معيار الحماية والدعم, والمعتدى عليه هو المهدد والمستهدف فذلك اسوأ ما قد تنتهي اليه حضارة العصى.
كتب تشارلي ريس (انتي دور ANTI WAR 5/2/2005) قائلاً انه بالرغم من تقديره للحرية, وايمانه بجدوى الانتخابات الا ان لا الانتخابات الافغانية, ولا العراقية تستحق ان ينفق عليها 300 مليار دولار او ان تذهب من اجلها حياة 1500 جندي اميركي. واردف يقول: ولكن "هؤلاء الجنود لم يموتوا من اجل اميركا ولا من اجل الحرية. ولكنهم ماتوا من اجل دعم نظرية المحافظين الجدد الحمقاء والهادفة لجعل الشرق الاوسط اكثر امناً لاغراض اسرائيل ولمصالح اميركا النفطية".


الحقيقة الغائبة هي ان الحروب لن تحقق لاسرائيل ولا لغيرها امناً, ولا تخدم اية مصالح لاميركا. انها تهدد كل ذلك.

التعليق