المخطط القديم الجديد لتقسيم العراق

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

    سمعنا في الآونة الأخيرة تصريحات عديدة وقرأنا بيانات كثيرة تدعو صراحة لتقسيم العراق، منها ما صدر عن جهات استخبارية أميركية تتظاهر بالتخوف من تقسيم العراق أو اندلاع حرب أهلية فيه بعد الانتخابات العراقية، ومنها مطالبة وزير الخارجية الأميركية الأسبق كيسنجر (اليهودي الديانة والصهيوني العقيدة) بتقسيم العراق كحل للخروج من الوضع الحالي الذي يعيشه العراق، وبعضها قد نص عليه قانون إدارة الدولة العراقية (الدستور الحالي) الذي أباح لأكثر من محافظة أن تجتمع مع بعضها لتشكل كيانا ذا حكم ذاتي، ومحاولة الأكراد عبر تجميع مليون توقيع ترفع للأمم المتحدة لتمرير عملية استقلال شمال العراق، وأخيرا كانت مطالبة أحمد الجلبي الصريحة بالاستقلال لثلاث محافظات جنوبية هي ميسان والبصرة والناصرية على غرار شبه الاستقلال الحالي للمنطقة الشمالية من العراق (التي تقطنها أكثرية كردية).

    ليس مستغربا أن تتسارع الدعوات لتقسيم العراق، فهي ليست بالجديدة ولا بالحديثة، فالعراق استُهدِفَ بالتقسيم منذ أيام الحكم الشاهنشاهي في إيران ذي الولاء الأميركي، الذي كان يرتبط بعلاقات حميمة مع الصهيونية العالمية، لذلك جاء الدعم الإيراني لحركة التمرد الكردي لتشجيع هذا الانفصال كمشروع سياسي مشترك إيراني أميركي إسرائيلي، ومع أن القيادة السابقة في العراق قد منحت برغبة ذاتية منها، الأكراد حكما ذاتيا وفّر لهم الكثير من الامتيازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما لم يتمكنوا من الحصول عليه حتى وقتنا الحالي في كل من إيران وتركيا بالرغم مما يعانونه من اضطهاد في هاتين الدولتين، إلا أن الهدف الاستراتيجي الأميركي الإسرائيلي حيال أكراد العراق ليس القلق على مصيرهم ومزاعم تحقيق حريتهم المنشودة، بقدر ما هو محاولة لتوظيف القضية الكردية كمطية لتنفيذ المخططات الأميركية الصهيونية، وجعل قضية الأكراد ومظلمتهم الزائفة كنقطة ضعف وثغرة للنفاذ منها إلى باقي أجزاء العراق.

     أما الخطوة العملية الأميركية الحديثة لتقسيم العراق فقد بدأت منذ أن انتزعت الولايات المتحدة من مجلس الأمن الدولي قرار تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق جغرافية في أعقاب عدوانها الأول عام 1991، بزعم منع الطيران العراقي من التحليق فوق الجزء الجنوبي من العراق بحجة حماية الشيعة، والجزء الشمالي بحجة حماية الأكراد من أكذوبة بطش النظام العراقي السابق، وقد تم تثبيت هذه الأجزاء بألوان مختلفة على خريطة العراق، ويتذكر الجميع كيف كانت وسائل الإعلام تبث على الدوام تلك الخريطة ثلاثية الألوان والأجزاء، وفي مقدمتها وسائل الإعلام العربية التي كانت تتناقلها على درجة كبيرة من الغباء أحيانا وبسوء نوايا من بعضها أحيانا أخرى، وقد كان الهدف من ذلك هو تهيئة الرأي العام لتقبل المراحل اللاحقة من مخطط التقسيم المستهدف.

    في مطلع القرن الماضي جاء تقسم الوطن العربي على يدي سايكس وبيكو، وزرع الكيان الصهيوني بوعد من بلفور، وفي مطلع القرن الحالي يعيد الزمن دورته السياسية، لكن بالإفراط في مشروع التقسيم، بتقسيم الدولة الواحدة إلى مزيد من الكانتونات، مثلما يجري العمل به حاليا في العراق والسودان.

   وإن كانت مشاريع التقسيم السابقة والحالية ما هي بالأصل إلا مخططات استعمارية أميركية صهيونية، لكن مما يثير الألم الشديد في النفس هو أن البعض من أبناء الدول العربية (من عرب وغير عرب) والمسكونين بعقدة الوصول إلى الحكم والسلطة بأي ثمن كان مهما كان منحطا، هم من يوفرون مسوغات ومبررات هذا التقسيم، حتى لو كانت النتيجة هي تقسيم دولهم لتصبح كل مدينة وقرية فيها دولة مستقلة، ليصبح فيها رئيس دولة ورئيس وزراء وبرلمان وقصر جمهوري وبسط حمراء للاستقبال والتوديع وسفر وتطواف وسيادة زائفة وديموقراطية على الطريقة الأميركية وسفارات وعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

    سيكتشف العالم عموما، والعرب على وجه التخصيص ولو بعد حين، أن العرب هم أول من ضحى بالعراق وقدمه قربانا على مذبح المصالح الأميركية والصهيونية، وسيكتشفون كذلك أن استهداف العراق من قبل الغزاة الأميركان وحلفائهم الصهاينة والسائرين في ركب الصهيونية سرا وعلنا، لم تكن بدافع التخلص من أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، وإذا كان هنالك من أسلحة دمار شامل في العراق، فليست على ارض الواقع إلا قوة العراق التي كان جوهرها، موارده الطبيعية الضخمة ووحدة أراضيه وشعبه المتعلم ونهضته الحضارية المتسارعة ( التي لم يوقفها سوى سلسلة الاعتداءات الأميركية المتواصلة عليه)، وقيادته ذات التوجهات العربية المناهضة للمشروع الصهيوني الاستعماري في منطقتنا، لذا كان المشروع القديم الحديث لتقسيم العراق، هو بمثابة الوسيلة الوحيدة لتحقيق الانتصار النهائي ليس على العراق فحسب، بل على امتنا العربية جمعاء، وقد شارك الكثير (منا نحن العرب على وجه التحديد) بتحقيق هذا الانتصار ، وهو ما يدمي القلب. 

التعليق