هل تحتاج المعرفة إلى إدارة ؟

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

   لعقود خلت ، كانت مشكلة الباحثين والساعين إلى العلم والمعرفة ، تتلخّص في صعوبة التوصّل إلى المعلومة المطلوبة ، إمّـا بسبب قلـّتها أو بسبب صعوبة الوصول إليها .. وكانت المكتبات العالمية والمحليّة والموسوعات والأراشيف والتقارير والدراسات المتنوعة ، هي المصادر الأكثر أهمية للحصول على المعلومة واقتنائها ..

  ومع ظهور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتطوّرة ، وسرعة انتشارها وتوفـّرها لدى العامّـة ، تغيّـر الحال ، وأصبحت مشكلة الباحثين عن المعرفة تتمحور حول الاختيار الصحيح للمعلومة المطلوبة وسط كمّ هائل من المراجع والوثائق المتوفـّرة ، وبخاصة في شبكة المعلومات الدولية ( الإنترنت ) .

   وخلال العقد الأخير ، وبالتزامن مع ثورة المعلوماتية والاتصالات الهائلة ، ووصولها إلى كل فرد ومؤسسة في المجتمع بتكلفة معقولة، ظهرت إلى الوجود تعابير علمية جديدة مثل "إدارة المعرفة " و " اقتصاد المعرفة " و " مجتمعات المعرفة " .. ولقد حاولت الإمساك بتعريف محدّد لإدارة المعرفة، فلم أتمكن بسبب كثرة التعريفات وتنوّعها، وعدم تبلورها في تعريف جامع مانع واحد ..

  فالبعض يتحدث عن المعرفة بوصفها مجموعة البيانات والمعلومات التي يمكن استقاؤها من مصادر مختلفة ، وآخرون ينظرون إلى المعرفة بشمولية أوسع نطاقاً، فيعتبرونها نتاج عناصر مختلفة أهمها : البيانات ( المادة الخام للمعلومات ) ، والمعلومــــات ( بيانات مصنفة ومنقحة لتخدم غرضاً محدّداً وهي ذات مصداقية عالية) ، والمهارات والقدرات والخبرات اللازمة لاستقاء المعلومات من البيانات وتحليلها وفهمها واستخدامها بصورة مثلى، إضافة إلى الاتجاهات والدوافع والحوافز التي توجّه الفرد والجموع وتدفعهم إلى استخدام المعرفة وتحويلها إلى إبداع .

   انطلاقاً من هذه النظرة الشمولية للمعرفة في عالم اليوم ، يصبح من البدهي أن يرتهن نجاح الفرد أو المؤسسة بالقدرة على ( إدارة المعرفة ) بصورة فعّالة ، بما ينعكس بصورة ايجابية على مستوى الأداء ، والإنتاجية ، والجودة ، التي تشكّل بمجموعها عناصر التنافس طويل المدى، الذي لا ينتهي بمجرد ظهور منافسين جدد، في أي مجال من مجالات استخدام المعرفة .

   ويفهم من ذلك ، أن " إدارة " المعرفة ترتكز على القيام بمجموعة من " العمليات " اللازمة لمتابعة المعرفة بجميع عناصرها، وتنظيمها وتقويم ما ينتج عنها من " مخرجات " . وتزداد أهمية هذه " الإدارة " بارتباطها الوثيق مع " إدارة الجودة الشاملة "، لتشكلا معاً وجهين لعملة واحدة، لا يمكن أن يعمل أحدهما بمعزل عن الآخر .

  إن أول العمليات اللازمة لإدارة المعرفة، هي استقاء المعلومة الدقيقة والصحيحة وتوثيقها ، ومن ثم تبادلها عبر وسائل التفاعل المختلفة داخل منظمات الأعمال ، بما في ذلك "الانترانت " أي شبكة المعلومات الداخلية التي تتيح لكل عامل في المؤسسة أن يتبادل المعرفة مع زملائه كل حسب حاجته.

  ومن الطبيعي ان تلعب الاجتماعات التشاورية لمختلف المراتب والمستويات دورا مهما في تبادل المعلومات والمعارف والآراء ، وأن يسهم ذلك في صناعة القرارات من الأسفل إلى الأعلى وبالعكس، بدلاً من أن تتخذ الهيئات العليا قرارات غير مدروسة ولا واقعية، بعيداً عن الأطر التحتية لمنظمة الأعمال. كذلك فإن التعليم والتدريب المستمرين للكادر بمختلف مهنه ومستوياته ، يعدّان ركناً أساساً من أركان المعرفة ، وتنمية الموارد البشرية التي يجب أن تسير في خطٍ موازٍ لامتلاك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات .. فادارة المعرفة ليست إدارة المعلومات فحسب ، بل انها في جوهرها تعتمد على إدارة الموارد البشرية وتنميتها .

   ان تدفق المعرفة في شرايين منظمات الأعمال ، بالاستفادة من تكنولوجيا المعلومات بوصفها وسيلة رئيسة من وسائل المعرفة الحديثة ، وعن طريق بناء قاعدة معلومات متينة ، وقاعدة خبرات فردية وجماعية تفاعلية مستمرة ، يسهم بفعالية لا مثيل لها في اتخاذ القرار الصحيح ، وفي حلّ المشكلات التي تواجه منظمات الأعمال المختلفة ، كما يساعد في دراسات الجدوى الاقتصادية والتوفير الاقتصادي ، وفي اعادة هندسة العمليات ( الهندرة ) ، واعادة تنظيم الهياكل، إلى جانب النهوض بمستوى الأداء والبقاء في ميدان المنافسة لفترات طويلة ممتدة.

  ولقد أصبح التعلّم الإلكتروني ( الجيل الخامس من التعلّم ) متاحاً لأعداد كبيرة من الطامحين إلى زيادة معارفهم وخبراتهم دون تجشّم عناء التعلـّم التقليدي، الذي يتطلب جهوداً ذهنية وعضلية أكبر ، مما يزيد من امكانيات تدفق المعرفة والاستفادة منها بأقلّ زمن وأعلى فاعلية ممكنة.

  واذا ما أراد العرب أن ينهضوا من كبوتهم الراهنة ، وأن يعودوا كما كانوا عبر العصور مصدراً للمعرفة والحضارة ، فإن عليهم أن يهتموا أساساً بامتلاك سلاح المعرفة بجميع عناصره، وأن يخرجوا من دائرة استيراد المعرفة والتكنولوجيا ونقلها، وهو ما يفعلونه منذ اكثر من مائة عام، الى حيّز تطويع التكنولوجيا وتوظيفها في خدمة مصالحهم الحيوية ، ومن ثم الانتقال الى إنتاج المعرفة وصناعة التكنولوجيا وتطويرها.

  ولا نعتقد أن العرب عاجزون عن ذلك ، فالأدمغة العربية المهاجرة هي التي تسهم في الانجازات العلمية والتقنية العالمية الهائلة، وهي قادرة في حالة ايجاد البيئة العربية الملائمة لإبداعها أن تنهض بالواقع العربي المعرفي وأن تضعه على سكة التقدم والتنمية، واللحاق بركب التطور العالمي. وكل ذلك بحاجة إلى معرفة وإلى إدارة معرفة سليمة وراسخة .

التعليق