ويحدثونكم عن الوحدة الوطنية!!..

تم نشره في الخميس 20 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

  يكثر الحديث هذه الآونة عن الوحدة الوطنية وضرورة صيانتها والتصدي لما يهددها من مخاطر، ربما كمحاولة للرد على تواتر الضغوط الأمريكية وارتفاع حرارتها، أو لعل الغرض محاولة احتواء حال جديدة من نضج المصالح والمواقف صارت عبئاً على منظومة إعادة إنتاج السيادة والسيطرة.


ولا تحتاج الى كبير عناء كي تكتشف أن ثمة خيطا خفيا ينظم تكرار الندوات في سورية حول الوحدة الوطنية وأهمية تعزيزها عنوانه الرغبة في التهرب من استحقاق التغيير الديمقراطي والترويج تالياً لمحاسن الوضع القائم ومقومات استقراره بما في ذلك المبالغة في التحذير من خطورة خلخلة البناء الداخلي وإضعاف لحمته أمام عدو شرس يتربص به شراً، ليغدو من السهل تفسير أي انتقاد للسلطات الحاكمة أو أية دعوة لإصلاحات سياسية جدية على أنها إخلالاّ بالوحدة الوطنية ومؤامرة " ليبرالية جديدة " لشق الصف وتفكيك المجتمع وتمكين الخارج منه!!   لكن هذه المرة يبدو أن جوقة المنشدين لشعار الوحدة الوطنية لم تنجح في قطف الثمار التي ترغب واكتشفت، ربما متأخرة، بأن مياه كثيرة جرت وأن قراراتها الفوقية لرص الصفوف والتعبئة ضد الإمبريالية والصهيونية لم تعد تجدي نفعاً أمام حضور لافت لرؤية جديدة حول الوحدة الوطنية تستند الى حقوق المواطنة والحياة الديمقراطية.


تاريخياً، سادت في سورية رؤية سطحية لمفهوم الوحدة الوطنية روجت لها النخبة الحاكمة والدائرون في فلكها قوامها مهمة سياسية واحدة لا تعلوها مهمة هي مقاومة الاستعمار والصهيونية، فجاءت هذه الوحدة قسرية وفوقية، معادية على طول الخط للديمقراطية والحريات بل سلاحاً بيد السلطات لمحاربة خصومها والتنكيل بالمواقف المعارضة، ما أشاع تعارضاً مشوهاً بين الحرية والفكرة الوطنية ووضع إشارة مساواة ومطابقة بين السلطة والوطن، وسوغ مختلف أساليب القمع والاضطهاد وسيادة طويلة الأمد لحالة الطوارىء والأحكام العرفية.


  بالمقابل وفي ضوء نتائج الحرب الباردة وسقوط الأسوار الحديدية، والأهم دروس الحرب على العراق وتداعيات احتلاله، ثمة جديد فرض نفسه بقوة لصياغة رؤية مختلفة للوحدة الوطنية تجد أن نضج وحدة الوطن وتماسكه لا يتحققا إلا في مناخ  الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، بما هي لحمة تحتية مبنية على أسس الحرية والاندماج الطبيعي لقوى المجتمع وفئاته المختلفة في مواجهة تحديات البناء والتنمية وما يهدد الوطن من أخطار، فتماسك النسيج الاجتماعي ولحمته إنما ينبعان أساساً من الاندماج الطوعي لأبنائه الأحرار المتساويين الأمر الذي يبعث في النفوس الحب الحقيقي للوطن وصدق الانتماء إليه ويزكي روح التضحية في سبيله. 


  المجتمع السوري ليس مجرد كم من الأفراد دون سن الرشد لا انتماء لهم ولا مصالح ويحق للنخبة الحاكمة تأبيد وصايتها على شؤونهم ومقدراتهم تحت شعارات وطنية عامة ومبهمة، بل هو مجتمع تعددي اثنياً وطائفياً وغني بالتنوع الفكري والسياسي، فيه شتى مذاهب المسلمين والمسيحيين وقوميات تتباين ثقافاتها مع العرب كالأكراد والشراكس والتركمان والأرمن والآشوريين، وفيه مختلف التلوينات السياسية والمرجعيات الإيديولوجية، ولا يغيب عن البال أيضاً الانتعاش اللافت لبعض الظواهر القبلية والعشائرية، مثل هذه التركيبة هي عرضة لمزيد من التصدعات والشروخ إذا لم يسارع الى الاعتراف بخصوصية مكوناتها واحترام حقوق هذه المكونات، وطبعاً لن تنجح في ترميم الصدوع كثرة الندوات ودعوات الحوار للتقريب بين " القوميات والطوائف " أو  " بين الأديان والمذاهب " أو " بين السلطة والمعارضة "، طالما ثمة إصرار على تغييب مصالح الناس وحقوقهم، فالحكاية أولاً وأخيراً هي حكاية مصالح لا شعارات وعواطف، ولا نفع تالياً من الصراخ حول أهمية الوحدة الوطنية وضرورتها إذا لم يشعر كل من يعش على هذه الأرض بأن له مصلحة حقيقية في الدفاع عن وجوده في المجتمع وعن وطن يقدم له ما يصون حرياته وكرامته وقوته اليومي.


إن ما نحتاج إليه لبناء وحدة وطنية حقيقية ليس شعارات تعبوية بل إجراء تحولات عميقة في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتعزيز الدعائم الأساسية التي تعضد المجتمع وتؤكد حضوره ككيان موحد وفاعل في مواجهة مختلف التحديات.


فلن ينعم مجتمعنا بلحمة وطنية صحية إلا في حال البدء بتحرير السياسة من السيطرة الشمولية، من الوصاية والنمطية ومن سيادة الرأي الواحد والصوت الواحد، بما يعني التطلع لتقديم تنازلات جريئة على صعيد المواطنة والعدالة وسيادة القانون، والقبول بالتعددية والاختلاف وحرية الصحافة وحق تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية كمقدمة لاغنى عنها لصياغة عقد اجتماعي متوازن يوفق بين بشر تتباين همومهم ومصالحهم ويضمن للجميع حقوقهم على قدم المساواة في المشاركة السياسية وإدارة الشؤون العامة.


وتستغرب ممن يبدي حماسة متناهية للوحدة الوطنية وهو لا ينبس ببنت شفة عن ظاهرة الفساد وشيوعها مستسهلاً توحيد قوى الشرفاء مع مفسدين يسرقون ثروات الوطن ويهدرون مقدراته، فكيف يمكن البحث عن مقومات التعاضد الاجتماعي طالما يستمر التمييز الصارخ بين المواطنين ويبخس حق غالبيتهم في فرص متكافئة ويطاح بقيم الكفاية والنزاهة لصالح الولاءات والعلاقات المتخلفة والمحسوبية؟!.. وأي تماسك نبحث عنه في وطن لا يشعر فيه أغلبية أفراده بالأمان لمستقبل أبنائهم ويلمسون لمس اليد كيف تقتصر الامتيازات على فئة قليلة جداً من أصحاب النفوذ على حساب أغلبية ساحقة يكويها العوز الحرمان؟!..
وأيضاً هل سأل دعاة الوحدة الوطنية أنفسهم أين الجهود المبذولة لخلق مناخ اجتماعي يعزز اللحمة؟!.. ربما لا يختلف اثنان أن تحقيق تقارب نسبي بين الطبقات في الدخل والحياة المعيشية هو ما يعطي الوحدة الوطنية منعتها واستقرارها، وأن أكثر ما يوهنها هو انحسار وزن الطبقة الوسطى وتقلص حضورها كما صارت حالها اليوم جراء ازدياد الفوارق واتساع الفجوة بين شريحة واسعة من الفقراء تزداد فقراً وقلة قليلة من الأغنياء تزداد غنى؟!.. ثم ألا تستدعي الوحدة الوطنية الإقرار أولاً بالتعددية الثقافية وحل مشكلة الأقليات واحترام حقوقها؟! فكيف يستقيم الحديث عن الوحدة الوطنية دون الاعتراف بحقوق الأقليات القومية وبالأخص الكردية، وطالما ثمة إصرار على حرمان عشرات الألوف من الكرد من حقهم الطبيعي في الجنسية السورية عداك عن تداعيات التهجير القسري للعديد من أسرهم والاستيلاء على أراضيهم ومنع نشاط أحزابهم واستمرار اعتقال المئات من شبانهم على خلفية أحداث القامشلي المؤسفة!!.


   فأن يقال أننا نريد وحدة وطنية أو نسيجاً مجتمعياً متماسكاً يعني فيما يعنيه العمل لتكون كل الانتماءات ما قبل الوطنية سواء العشائرية أم الطائفية أم الأثنية هي الأضعف والأقل حضوراً أمام انتماء أقوى وأرقى هو الانتماء الى الوطن والثقة بالدولة ومؤسساتها الديمقراطية، هذا الأمر لن يكون حاسماً وسائداً إلا إذا اقتنع كل فرد بأن حقه مصان ومتساوٍ مع الآخر وأن ليس ثمة من يستطيع التعدي عليه كائناً من كان، فما شعور الانسان بالحرية والثقة بجدوى انتمائه لوطنه إلا صمام أمان التماسك الداخلي والقاعدة السليمة المشجعة كي تتجاوز القوى الاجتماعية والسياسية حساباتها الضيقة وتتكاتف في التصدي لتحديات التنمية والمخاطر الخارجية.


  عندما نقض هتلر معاهدة السلام وأعلن الحرب على الاتحاد السوفيتي، سارع ستالين إلى تعديل خطابه السياسي وطرائق إدارته للبلاد مخففاً، وان شكلاً، من حضور العقلية الوصائية والقبضة القمعية، وتوجه إلى الشعوب السوفيتية بعبارته الشهيرة " أيها المواطنون  "  كإشارة للرغبة في تدشين فترة جديدة من الانفتاح والمساواة، وان جاءت متأخرة وقصيرة، لكنها ربما ساعدت إضافة إلى عوامل أخرى على إحياء " وحدة وطنية " لا تقوم على القمع والإكراه كان لا بد منها لتقوية روح المقاومة والنجاح في رد الغزاة.

التعليق