نحو مزيد من التمويل الحكومي للإعلام

تم نشره في الخميس 13 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

   في المؤتمر الذي عقده مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية حول الإعلام العربي في عصر العولمة دعا مشاركون إلى مساهمة رجال الأعمال العرب في تمويل الفضائيات , وذلك من أجل مزيد من الاستقلالية عن الحكومات التي تتحكم بوسائل الإعلام من خلال تمويلها .
 
     ومع أن الدعوة نبيلة وتستحق الدعم إلا أنها غير قابلة للتحقيق لسبب بسيط , لأن  رأس المال جبان ولا يوجد مستثمر عاقل مستعد أن يوجع رأسه ويدخل في مواجهة مع الحاكم القادر على إفقاره وتدمير مشاريعه الإعلامية وغير الإعلامية .

المواجهة ليست مع الحاكم فقط وإنما مع أميركا القوة العظمى المتفردة القادرة على إرسال صواريخ كروز  أيضا.  إضافة لذلك فإن ربحية الإعلام الفضائي الإخباري غير واردة في ظل الكلفة العالية وضعف سوق الإعلان ومجانية البث.طبعا هذا لا ينطبق على مشاريع الإعلام الترفيهي التي لا تخاطب الغرائز بشكل أساسي وهي تحقق مطلب الحاكم ومطلب أميركا في إلهاء الناس عن قضايا الاحتلال والفساد والاستبداد.

    قد لا ينطبق هذا التعميم أيضا على الصحافة المكتوبة , إذ استثمر رجال أعمال  كويتيون ولبنانيون  وأردنيون  في صحف ناجحة , وذلك لتدني كلفتها ومحدودية تأثيرها   قياسا إلى  الإعلام المرئي .

     المشكلة ليست عربية حصرا فالبي بي سي ما كانت لتنجح ولتستمر لولا التمويل المباشر من الخزينة البريطانية , الأهم من ذلك أن التمويل الحكومي خلص الإعلام من هيمنة المعلن وتغول السوق , خلافا للإعلام الأميركي الممول من الإعلانات بشكل أساسي  باستثناء الحرة الممولة من الكونجرس, وحتى الصحافة المكتوبة في الغرب تواجه مشكلة الإعلان كما حصل في صحيفة اللوموند العريقة , مع أن الحكومة الفرنسية تقدم دعما ماليا للصحف يتوازى مع كمية ما تطبع من ورق .

    بعيدا عن العموميات فإن الإعلام الفضائي العربي ممول خليجيا بعامة وسعوديا بخاصة , فالأوربت  والإم بي سي  والإخبارية  والعربية  والأي آر تي سعودية خالصة  أضافة إلى النفوذ السعودي في تلفزيونات عديدة أبرزها ال بي سي  والمستقبل ,  الإمارات تلي السعودية في قنوات دبي وأبو ظبي وما فوق ذلك ما تجلى من نفوذ عبر مدينة دبي الإعلامية التي تستضيف زهاء مئة وستين فضائية , أما قطر  فقد كفتها الجزيرة مؤنة  تمويل مزيد من الفضائيات .

    ضمن اعتبارات السياسة والسوق العربيين لا مناص من التمويل الحكومي للإعلام  وخصوصا الفضائي لارتفاع كلفته, وبعيدا عن الرومانسية فأن رجال الإعمال ربما يتساوون مع الحكومات استبدادا وفسادا وقد يكون الإعلام سبيلا لهم لتبوء السلطة كما في حال إيطاليا مع بيرلسكوني الذي يحميه منصبه وإعلامه من معاقبته على قضايا الفساد التي تورط فيها وتكرر هذا في روسيا وغيرها .

    لتمول الحكومات الإعلام لكن ليحاسبها المواطن على ما يبث . فالحكومات تمول الجامعات والقضاء  وهي مؤسسات مستقلة ومن الصعب أن تمول نفسها , الخطورة تبدأ عندما تتدخل الحكومة في المؤسسات المستقلة وهو ما يتسبب بفشلها . من حق المواطن العربي أن يحاسب الحكومات على ما يدخل بيته دون استئذان , سواء كان سياسة وأخبارا أم ترفيها وثقافة فما يبث من إباحية تدمر الأسرة سواء من خلال الصورة أو رسائل اس أم أس على الشاشة جريمة لا تقيد ضد مجهول.

    لتدفع الحكومات مزيدا من الأموال وبموازاة ذلك ليحاسبها المواطن على ما ينفق , فالمال الحكومي ليس شرا بذاته . 
[email protected] 

التعليق