لا تشتموا الفضائيات

تم نشره في الأحد 9 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 


     يحلو للبعض أن يستعمل ذكاءه المتقد ونباهته المفرطة في كشف "المؤامرة" التي تكمن وراء الأشياء والأحداث، وإذا كان بعض ممن في نفوسهم شيء من كارهي حرية الشعوب والساعين إلى تجهيلها وحجب المعرفة عنها يتحينون الفرص لشتم الفضائيات الإخبارية العربية وتشويه صورة الدور الذي تؤديه تجاه "العقل العربي"، فإن بعضاً من "المناضلين الأشاوس" الآتين من وراء التاريخ أو من مرحلة ما قبل انهيار جدار برلين يمارسون الدور نفسه في التشويه والشتم، رغم ما بينهم وبين كارهي الحرية من تباين، ويجهدون في اقتناص أخطاء تلك الفضائيات ويرفضون أن يروا تسعة الأعشار الممتلئة من الكأس.


      هؤلاء المناضلون الأذكياء يرون أن الفضائيات العربية تقوم بدور مشبوه تجاه قضايا العرب، خاصة في فلسطين والعراق، من حيث الترويج لوجود الاحتلال كحقيقة قائمة، و"تعويد الأذن العربية" على سماع اسم المحتل حتى يصير ذلك كالحقيقة المخزنة في لاوعي الإنسان العربي. ونحن نتفق مع هؤلاء أننا نتمنى أن لا تفتح القنوات العربية لموظفي الدولة الصهيونية الذين يسمون إعلاميين وناطقين رسميين، لكننا لا نستطيع أن نغمض أعيننا أبداً عن الدور التنويري الذي تقوم به الفضائيات الإخبارية العربية تجاه تفاصيل القضية الفلسطينية وتفاصيل الأوضاع التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، مما كان الرأي العام العربي يجهله من قبل. لقد أتاحت لنا الفضائيات رؤية فلسطين (الشعب والأرض والقضية) من الداخل، ورؤية الممارسات الصهيونية كما هي في الواقع، ولا يستطيع أي منصف القول أن الفضائيات العربية قدمت ذلك كله بصيغة محايدة، فالحقيقة انها ظلت دائماً منحازة للموقف العربي، وتنقل للعالم صورة المأساة العربية بشكل غير مسبوق أبداً.


     في العراق، ما كان للمشاهد أن يعرف تفاصيل كثيرة دون الصور التي تلتقطها كاميرات الفضائيات العربية ودون المقابلات الحية التي تجريها مع الصوت العراقي الرافض للاحتلال، فلو اقتصر الأمر على القنوات الأجنبية وعلى أبواق الاحتلال لرسمت للعراق صورة مختلفة.


غير أن أهم دور أدته الفضائيات العربية، سواء قصدت أم لم تقصد، ومعه يثبت أنه لا يجوز لمخلص أن يتمنى أن يرى العالم دون هذه الفضائيات، هو أنها وحدت الشعور بين العرب في شتى أقطارهم المتناثرة، عبر خلقها، ولأول مرة، رأياً عاماً عربياً واحداً. لقد عززت الفضائيات، وبشكل غير مباشر، الشعور بوحدة الحال العربية، وبوحدة موقف العرب تجاه قضايا العالم وأحداثه، فالعرب بواسطتهاـ ولأول مرة في تاريخهم، باتوا يسمعون الخبر نفسه ويرون الصورة نفسها، ويتبنون بالتالي الموقف نفسه على الأغلب، إلا في القضايا التي ورثوها من مرحلة ما قبل الفضائيات، كحرب الخليج الثانية وتبعاتها.


      العرب في المشرق باتوا ولأول مرة قادرين على الاطلاع على أوضاع العرب في المغرب ومتابعة قضاياهم، بل –وعبر البرامج الوثائقية والحوارية- قادرين على الاستماع لروايات حول تاريخهم ومشاهدة صور حولها، والعكس صحيح، ما يعني أن التواصل عبر العالم العربي بات حقيقة لا يمكن إنكارها وأن الشعور بأن ثمة حالا عربيا واحدا سيكون ضرورة تلقائية لا مفر منها بفضل وجود الفضائيات التي عادل دورها بذلك ما كانت تحاول أن تقوم به القوى القومية قبل خمسين سنة، دون أن يكون لها من النجاح ما هو كائن الآن لهذه الفضائيات.


      لنا أن نستدرك هنا بالقول أنه كما لا يجوز التعميم في نقد الفضائيات، فإنه لا يجوز أيضاً التعميم في مدح دورها، فالمشاهد يستطيع أن يدرك أن فضائية "الجزيرة" هي الأكثر تميزاً في إنجاز المهمة غير المحسوسة في توحيد الرأي العام العربي وفي تسليط الضوء على خفايا الأوضاع العربية بما فيها المتعلقة بالاحتلال، ذلك إنها الأكثر حيادية وموضوعية في نقل الخبر (باستثناء الأخبار المتعلقة بالحكومة القطرية)، فيما قبلت فضائيات أخرى أن "تتهادن" مع بعض القوى هنا وهناك، أي أن تتجاوز الموضوعية في التعاطي معها، فبات دورها يشبه دور التلفزيونات المحلية القُطرية، ولكن على مساحة أوسع هذه المرة!
     يحتج منتقدو الفضائيات العربية بملكيتها لإثبات أن ثمة مؤامرة بالتأكيد في كواليسها، ونحتج نحن بكوكبة الإعلاميين المميزين القائمين على تقديم برامجها، والذين -بسبب من كفاءتهم وتميزهم- يفرضون شخصياتهم ورؤاهم على هذه البرامج، ما يقلل إمكانية أدائها أدواراً تزويرية، حتى وإن كان بعضها يهتم بالتشويق والإثارة قبل الموضوعية.


نفهم أن للفضائيات الإخبارية العربية بعض الأخطاء، إلا أن نفعها أكبر من شرها، إلا من قصد منها أن يكون شريراً، وإذا أراد المرء أن يتصور حجم النفع الذي تمثله هذه الفضائيات فليتصور العالم دونها، وليتصور حصر الأخبار والصور على تلفزيونات الترويج العربي، صاحبة: "استقبل وودع وصرح ونفى وافتتح و..."، فلا تشتموا الفضائيات ولا تتمنوا أن تحرمونا صوتها وصورتها.

التعليق