إسلامي في تل أبيب !

تم نشره في السبت 8 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

    قراءة زيارة وزير الخارجية التركي "عبد الله غول" إلى تل أبيب تأتي في سياق محاولة التخفيف من اللهجة الإسرائيلية الغاضبة من حكومة "العدالة والتنمية" التركية، إذ تصاعدت حدة الانتقادات الإعلامية والسياسية الإسرائيلية والاتهامات لحزب العدالة بأنه يعمل على تفكيك التحالف التركي- الإسرائيلي، وأنه يحاول تحسين علاقة تركيا بالجوار العربي على حساب إسرائيل، وتستند هذه التهم إلى عدة قضايا منها عدم زيارة المسؤولين الأتراك (في حكومة العدالة والتنمية) لإسرائيل، وكذلك الانتقادات الحادة التي وجهها "اردوغان" (رئيس الوزراء التركي) لعمليات الاغتيالات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين إذ وصفها بـ "إرهاب الدولة".

 

    ومن المعروف أن الفتور الذي تمر به العلاقة التركية- الإسرائيلية جاء بعد مرحلة من التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، في مقابل حالة من التوتر بين تركيا والجوار العربي تمثلت في دخول الجيش التركي إلى شمال العراق عدة مرات لمطاردة المقاتلين الأكراد، وتوقيع اتفاقية أضنا عام 1998 مع سوريا والتي اضطرت لها، بعد أن وصل الأمر بتهديد العسكر التركي بشن الحرب عليها.

 

    إذن زيارة غول جاءت لتؤكد على تجاوز حالة الركود، وعلى وجود علاقات وثيقة بين الجانبين، وللتخفيف من حدة الانتقادات الإسرائيلية ضد حزب العدالة، خاصة أن حكومة العدالة عملت على تحسين علاقات تركيا بالدول العربية والإسلامية وإزالة "تركة التوتر" التي انتابت هذه العلاقة في السنوات الأخيرة، كما حاولت حكومة العدالة أكثر من مرة دفع الدول العربية اتخاذ مواقف أفضل من الرضوخ الكامل للمشروع الأميركي في العراق، على الرغم من حرص الحزب على تقوية علاقته مع الولايات المتحدة في محاولة منع أي انقلاب عسكري جديد عليهم، ولكن للأسف الشديد لم يكن بإمكان الأتراك أن يكونوا "ملكيين أكثر من الملك نفسه"، ولم تجد محاولات غول وزياراته المكوكية -قبيل الحرب- أي إرادة عربية حقيقية لمواجهة العدوان الأميركي، وللأمانة نقول: إن موقف حزب العدالة من الحرب العراقية كان أفضل بكثير من المتوقع منه، بل كان في ضوء شروط الحركة السياسية له كحزب "أفضل الممكن" ومن المعروف أن السياسة هي دوما "فن الممكن"!.

   لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: لماذا يحرص حزب العدالة - وهو حزب "ذو جذور إسلامية" - على بقاء علاقته بإسرائيل وعلى عدم الدخول في صدام ولو سياسي معها؟

 

    الجواب على ذلك يتمثل ببعدين داخلي وخارجي؛ أما البعد الداخلي فيرتبط بشروط حركة الحزب وعلاقته مع العسكر والذي يتمتع بعلاقات خلفية متينة مع إسرائيل، نجم عنها في السنوات الأخيرة الاتفاق العسكري بين الطرفين والذي اعتبر بمثابة حلف استراتيجي ثلاثي (تركيا-إسرائيل- الولايات المتحدة)، فطبيعة العلاقة مع إسرائيل تحكم المعادلة السياسية التركية، الأمر الذي يعني أن تمادي الحزب بتجاهل الغضب الإسرائيلي وتمتين العلاقة بالجوار العربي سيؤدي إلى تحريض إسرائيلي للعسكر ضد الحزب وعودة الهواجس بمصادرة كل مكتسباته ومكتسبات الدولة بذريعة "معاداة الأتاتوركية"!.

 

    يضاف إلى ما سبق أنّ إسرائيل لها مصالح اقتصادية كبرى في تركيا، وهناك شبكة من الاقتصاديين والسياسيين مرتبطة بها، ومن أبرز النشاطات الاقتصادية؛ الشراكة التركية- الإسرائيلية في مشروع "الغاب" الزراعي الكبير، والذي تعتمد به تركيا على الخبرة الزراعية والمساعدة الإسرائيلية، كما سارعت إسرائيل إلى دعم تركيا مباشرة بعد الزلزال الذي ضربها عام 1999، وقامت ببناء قرية كاملة لإيواء أسر المشردين من أثار الزلزال، ومن العوامل الضاغطة في هذا المجال النشاط الاقتصادي للوبي اليهودي في تركيا والذي ازدهر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وعلى سبيل المثال فإن اللوبي اليهودي يمتلك عدة شبكات إعلامية كبيرة من بينها (show T.V) ، وقد أسس عدد من الاقتصاديين ورجال الأعمال اليهود الأتراك أكبر الشركات الاقتصادية التركية عام 1989(مركز العام ال500) ، والذي أسس بمناسبة مرور خمسمائة عام على هجرة اليهود من أسبانيا إلى تركيا.

 

   أما البعد الخارجي فيرتبط بالعلاقات التركية الأوروبية والأميركية، فمن المعروف أن حكومة العدالة والتنمية تنظر إلى العلاقة مع أوروبا وأميركا على أنها علاقة استراتيجية بهدف الاستقواء بالخارج على الداخل. و"عقدة المنشار" تكمن أن الرؤية الأوروبية- الأميركية لحل مشكلة الشرق الأوسط تتمثل بالمفاوضات والعملية السلمية، ورفض الحق المشروع للشعب الفلسطيني بالمقاومة المسلحة. في هذا السياق يقوم إدراك الحزب أن أحد شروط قبوله كـ "حزب ذي جذور إسلامية" من قبل الولايات المتحدة وأوروبا تتمثل بإعلانه القبول بالعملية السلمية وقبوله بالعلاقات الاستراتيجية التركية- الإسرائيلية، الأمر الذي أعلن عنه الحزب مرارا وتكرارا وفي أكثر من موقف. كما أن هناك حرصا من الحزب على عدم الزج به في إطار "معاداة السامية".

           

    وإذا كان تضافر العوامل الداخلية والخارجية "يفسر" إلى حد بعيد استدراك حكومة العدالة والتنمية -من خلال زيارة غول- على المرحلة السابقة التي اتسمت بـ "جمود العلاقة مع إسرائيل"، فإن ذلك في المقابل لا يبرر التصريحات المؤلمة التي صدرت عن غول –أثناء الزيارة- والتي طالب فيها الفلسطينيين "بوقف أعمال العنف" دون أن يذكر شيئا عن الإرهاب الإسرائيلي والجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، خاصة أنه رفض التعليق على وصف "أردوغان" للجرائم الصهيونية بأنها "إرهاب دولة"، معتبرا أن ذلك من التاريخ، كما أنّ إشادته بسياسة شارون وما سمي "بالجدار العازل" فيه جور خطي على الشعب الفلسطيني،  و"تماه أعمى" مع الخطاب الإسرائيلي- الأميركي!.

 

    يمكن أن نتفهم مسايرة الحزب لإسرائيل وللغرب في سياق شروط تحدد "الحركة السياسية" لحكومة العدالة والتنمية لتجنب كثير من "المطبات الخطيرة"، لكن تصريحات "غول" لا يمكن القبول بها أو تفسيرها إلاّ في سياق المضي أكثر مما يجب في "السياسة البراغماتية" للحزب. بصراحة: لم يكن غول مضطرا لمجاملة اليهود إلى الدرجة التي يستهين بها بكل المقدسات الإسلامية والشرعية! ويدوس بقدمه على حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والقانونية، لا يمكن قبول ذلك منك يا "عبد الله غول"!!.

 

التعليق