الاستقواء على الفلسطينيّين باسم السلام!

تم نشره في السبت 1 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

كلَّما واجه توني بلير مشكلة داخليَّة في لندن اتَّجه إلى واشنطن أو إلى "الشرق الأوسط"، ليحصل على دعم عاجل من أصدقائه في البيت الأبيض، أو ليحقِّق انتصارات إسرائيليَّة سهلة في المرمى العربي والفلسطيني.

 

 وحيث أنَّه تعلَّم بالتجربة أنَّ أصدقاءه بالبيت الأبيض ليسوا دائماً على استعداد لإبداء الكثير من الكرم في دعمه، فإنَّه يفضِّل، في أكثر الأحيان، المجيء إلى "الشرق الأوسط"، بدلاً من الذهاب إلى واشنطن. وهذا ما فعله في المدَّة الأخيرة، بعد تشويشات عديدة ضدَّه في الصحافة والبرلمان في بريطانيا، بسبب تردِّي الأوضاع في العراق، إذ اختار أن يقوم بجولة في المنطقة يبدؤها بزيارة مفاجئة وخاطفة واستعراضيَّة للعراق، اُلتقطت له خلالها الصور المطلوبة مع علاوي في المطار أو في المنطقة الخضراء أو في أيٍّ من القواعد الأميركيَّة المحصَّنة جيِّداً والتي تتعرَّض مع ذلك باستمرار لضربات المقاومة.

 

وقبل تحرُّكه من لندن كان بلير قد أطلق، مبادرة جديدة ل‍"السلام" تتمثَّل بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي في لندن يضم الفلسطينيّين والإسرائيليّين، من دون أن يوضِّح بالضبط ما الذي يمكن أن يضيفه هذا المؤتمر إلى سلسلة المؤتمرات التي عُقدت في السنوات الأخيرة، ولا ما الذي يمكن أن يصل إليه من "حلول" بعد سلسلة "الحلول" المبتورة التي فُرضت على العرب والفلسطينيّين، ولم تجد طريقها مع ذلك للتنفيذ حتَّى الآن بسبب التعنُّت الإسرائيلي؛ وحتَّى بعدما انصبَّت قرارات آخر هذه المؤتمرات على رسم خارطة للطريق، فقد ظلَّ الطريق، مع ذلك، مجرَّد خارطة على الورق.

 

 فلا الإسرائيليُّون ولا الأميركيُّون جادّون في التجاوب مع أيِّ مسعى للوصول إلى حلّ، من أيّ نوع، باستثناء أن يقوم الطرف العربي والفلسطيني برفع راية الاستسلام والتسليم بقدره أمام فداحة وجشع الأطماع الإسرائيليَّة الأميركيَّة.

ولكن بينما الأمر كذلك، نجد أنَّ الجانب العربي والفلسطيني الرسمي مستعد للتجاوب بلا نهاية مع هذا العبث والدجل الهادف فقط لإدارة الأزمة وتنفيس احتقاناتها بشكل مؤقَّت. لذا، وكالعادة، تجاوب هذا الطرف مع دعوة بلير فوراً ورحَّب بها وأثنى عليها بصورة مبالغ بها. أمَّا الجانب الإسرائيلي، فقد أعلن، بينما كان رئيس الحكومة البريطانيَّة يستعدّ للإقلاع إلى المنطقة، بأنَّه يرفض حضور هذا المؤتمر وأنَّه غير معنيٍّ به، وأنَّ على بقيَّة الأطراف العربيَّة والدوليَّة أن تحضره مع الفلسطينيّين لكي تضغط عليهم من أجل التخلِّي عن "الإرهاب" والامتثال لشروط السلام! ولقد كرَّروا هذا الموقف أيضاً عندما كان بلير في زيارتهم وفي زيارة السلطة الفلسطينيَّة. لكنَّ بلير لم يشكُ ولم يتذمَّر ولم يحتج على هذه الضربة التي تلقَّاها تحت الحزام من قبل الإسرائيليّين، بل بدلاً من ذلك حوَّل اقتراحه من مؤتمر لبحث سبل "السلام" بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين بمساعدة "المجتمع الدولي" إلى مؤتمر لتأهيل الفلسطينيّين ل‍"السلام"! ولم يلتفت هؤلاء المجتهدون من أجل "السلام" والعرب الفرحون بجهودهم، إلى الحقيقة الماثلة على الأرض والمتمثِّلة بالهجمات اليوميَّة للدبَّابات والطائرات الإسرائيليَّة على المدن والقرى والمخيَّمات الفلسطينيَّة.

 

إنَّها وقاحة ما بعدها وقاحة! فما الذي يجب أن يفعله الفلسطينيُّون ليتأهَّلوا لهذا "السلام" العجيب الذي يدعو له ويبشِّر به السيِّد بلير؟! وكيف يريدهم أن يستقبلوا الذبح الإسرائيليّ اليومي؟!

 

ومع ذلك، ورغم هذا الوضع الأكثر هزالاً الذي آل إليه مصير المؤتمر، فلم يسحب الطرف العربي والفلسطيني موافقته المتسرِّعة على حضوره، بل استمرَّ بالإشادة به والحديث عنه، كما لو كان يمثِّل مبادرة حقيقيَّة جادَّة لتحقيق شيء ما على صعيد القضيَّة الفلسطينيَّة والصراع العربي "الإسرائيلي"! ولا غرابة في ذلك؛ فمعظم الأطراف العربيَّة الرسميَّة مشغولة الآن بالتفكير في كيفيَّة الخلاص من عواقب الورطة الأميركيَّة في العراق، بعدما بوغتت، مثلها مثل الأميركيّين، بالحجم الهائل والمؤثِّر لمقاومة الشعب العراقي للاحتلال، الأمر الذي يهدِّد بقلب الكثير من المعادلات والترتيبات المرتبطة بالنفوذ الأميركي في المنطقة، رأساً على عقب، ويفتح من جديد أبواب التغيير الديمقراطي الحقيقي فيها.

 

والسؤال الملحّ الآن هو: إلى متى سيستمرّ السماح بالعبث بقضيَّة العرب الأولى لكلّ سائح في المنطقة، أو متمسِّحٍ بالإسرائيليّين، أو باحث عن دور ما يمكن أن يحقِّقه بأسهل الطرق؟!  

 

 

التعليق