صدمة العالم العربي.. وأسئلة المصير

تم نشره في السبت 1 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

العالم العربي في صدمة وحيرة واضطراب, تجاه ذاته ومستقبله, وتجاه العصر والعالم. في صدمة أمام أسئلة الواقع, وفي حيرة أمام أسئلة الموقف أو الدور, وفي اضطراب أمام أسئلة المصير. أسئلة الواقع تمثل صدمة, لأنها أسئلة يصعب علينا المكاشفة بها, والشفافية في الحديث عنها, ولعل هناك من لا يرغب في الاستماع إليها, أو الإنصات والإصغاء لها. ولأنها أسئلة قديمة جديدة, قديمة ترجع بنا إلى البدايات والمناشئ وما قبل التراكمات, وجديدة لأن الحال لم يتغير كما يفترض, ولأن الزمان ظل جامدا لا يتحرك بعد كل تلك التراكمات. ولأنها أسئلة قد يصعب الإجابة عليها, أو المكاشفة بهذه الإجابات, أو الإقناع بها, أو الاتفاق عليها. ومن هذه الأسئلة الحرجة كيف نفسر ما حصل من نكبة 1948م وضياع فلسطين, إلى نكسة 1967م وضياع القدس, إلى كارثة 1990م واحتلال الكويت, إلى ما وصل إليه الحال في العرق؟

 

وأسئلة الموقف تمثل حيرة, لأنه موقف لا يتصف بالفاعلية والمبادرة, ويفتقد إلى التضامن والتماسك, ولا يستند إلى إرادة الأمة الحقيقية, وهو أقرب إلى رد الفعل من الفعل, وإلى السكون من الحركة, وإلى تغليب المنافع الذاتية على المصالح العامة.

 

وأسئلة المصير تمثل اضطرابا, لأن العالم من حولنا يتغير ويتبدل, والمعرفة الإنسانية تتراكم وتتضاعف, وحركة الزمن تتسابق وتتسارع, في ظل ثورة المعلومات وشبكات الإعلام وتكنولوجيا الاتصال, وفي ضل تيار العولمة الكاسح.

 

لذلك فان من أصعب ما يواجه العالم العربي هو أسئلة المصير, وهي الأسئلة التي بحاجة إلى إعمال النظر فيها, وتحويلها إلى أسئلة لا نفارق التفكير فيها, ونتعامل معها باعتبارها من قضايانا الكبرى التي ننشغل بفحصها ودراستها, بتفكيكها وتركيبها, لأنها أسئلة الإصلاح والتغيير, وأسئلة استشراف المستقبل.

 

كما أن هذه الصدمة والحيرة والاضطراب, لها صور ومظاهر عديدة ومختلفة, فالسياسي يعبر عنها بصور معينة, وبلغة خاصة هي اقرب ما تكون إلى لغة الإعلام والدبلوماسية, حيث يجري التركيز على قضايا الحريات العامة, وحقوق الإنسان, والإصلاحات الدستورية, وحرية التعبير, والمشاركة السياسية إلى غير ذلك. والاقتصادي يعبر عنها بصورة أخرى, وبلغة هي اقرب ما تكون إلى حقل العلوم الاقتصادية حيث يجري التركيز على قضايا البطالة والفساد والفوارق الطبقية ومشكلة الفقر, والتبعية والروح الاستهلاكية وضعف القدرة الإنتاجية إلى غير ذلك.

 

 والاجتماعي هو الآخر يعبر عنها بصورة معينة وبلغة هي اقرب ما تكون إلى حقل العلوم الاجتماعية حيث يجري التركيز على فاعلية الجماعات وبناء المؤسسات وتفكك نظام العائلة, واكتئاب المدينة العربية وإهمال الريف, إلى غير ذلك. وأما الثقافي والمشتغل بعالم الفكر فهو لا يقل إسرافاً ونقداً عن غيره في التعبير عن تلك الصورة, فالعالم العربي كما يصفه الدكتور هشام جعيط في خاتمة كتابة ( أزمة الثقافة الإسلامية ) الصادر 2000م, منذ خمسين عاماً صحراء ثقافية في كل المجالات, في التراث كما في استيعاب الثقافة الغربية, في الكتاب كما في الرسم, في المعرفة كما في الأدب, وبما أن جهاز الدولة قد قتل المجتمع المدني, وأن هذا المجتمع أعطى رقبته للذبح والتذ بموته, فلا أرى الآن خروجا من المأزق.

 

فهل فعلا لا خروج من المأزق ؟ لعل من الصعوبة الإجابة عن سؤال من هذا النوع, لأن ليس هناك من يريد أن يظهر نفسه بالإحباط أو التشاؤم, ويقطع على الناس الإحساس بالأمل, فحتى الدكتور جعيط تدارك الكلام الذي قاله لكي يستبعد عن نفسه كل شعور باليأس والقنوط. وبعد أن ظل الدكتور محمد جابر الأنصاري يراجع صدمة العقل العربي بعد نكسة 1967م إلى منعطف الألفية الثالثة ختم كتابه ( مساءلة الهزيمة ثقافة المراجعة بوجه التراجع ) الصادر سنة 2001م, وفي الأسطر الأخيرة منه بقوله إن الكوارث و الهزائم ليست نهاية التاريخ وليست قدرا أبديا, طالما أنها تمثل مصهرا لتصفية معدن الشعوب من أجل الغد الأفضل. وقد عبر عن هذه الحالة أيضا الدكتور محمد عابد الجابري في مراجعته النقدية للمشروع النهضوي العربي حيث يرى بأن العرب عاشوا طوال هذه القرن على ثلاث قضايا رئيسية, مقاومة هيمنة الغرب, وتحقيق نوع من الوحدة بين أقطارهم, وتحرير فلسطين. وهاهم العرب اليوم يقفون أمام هيمنة الغرب بلا أمل التحرير منها في المستقبل المنظور, وهاهي دولهم القطرية تفرض نفسها كواقع يعاند أي تفكير في الوحدة معاندة تامة, وأخيرا وليس آخرا هاهي إسرائيل قد انتزعت اعترافهم بينما يواجه الفلسطينيون مصيرا مجهولا. يعقب الدكتور الجابري على ذلك بقوله إنها تحولات لا ينبغي لنا أن نرى فيها نهاية التاريخ, ولا أن نجعل منها مقبرة الأمل, إن المراجعة النقدية ضرورة ملحة لاستعادة الأمل واستئناف المسيرة مع التاريخ للمشاركة في صنعه والتأثير في مجراه.

 لا شك أن الإحباط وحده ليس كافيا, كما أن الأمل وحده ليس كافيا. الإحباط وحده هو سكون وجمود, والأمل وحده هو رغبات و تمنيات. فهل هناك معادلة تتركب من الإحباط والأمل وهل يقبل الإحباط أن يقاسمه الأمل, أو يقبل الأمل أن ينازعه الإحباط؟

 

 بالتأكيد أن الأمل أقوى من الإحباط, لكن كيف نستعيد هذا الأمل.

 

 

 

 

التعليق