سورية وقانون الأحزاب قبل أن يقع الفأس بالرأس

تم نشره في الأربعاء 29 كانون الأول / ديسمبر 2004. 03:00 صباحاً

 يبدو غريباً أن يعترض المتضررون من غياب قانون للجمعيات والأحزاب السياسية في سورية على الخبر الذي يسري اليوم في أوساط المهتمين بالشأن العام عن قرب صدور هذا القانون، لكنه يغدو أمراً مفهوماً ومفسراً حين يترافق الاعتراض بالدعوة الى عرض القانون كمشروع للحوار الوطني قبل إقراره تأثراً بنقطتين : أولاً تنامي القلق وربما الخوف حيال محتوى القانون العتيد ربطاً مع طعم المرارة والصدمة التي خلفها " قانون المطبوعات "

 وقد سلب الكتاب والمبدعين مزيداً من حقوقهم وقيدهم الى سلاسل جديدة من الممنوعات والمحظورات وسلّط على رقابهم سيف عقوبات قاسياً لا يرحم!! ثانياً الآلية والطرائق التي خبرناها تاريخياً في سورية عند صياغة وإصدار مختلف القوانين، بوصفها آلية فوقية إرادوية تحكمها مرجعية واحدة، هي السلطة نفسها ورؤيتها الخاصة للواقع السياسي ربطاً مع حدود مصلحتها في الاستجابة لبعض حاجات المجتمع ومتطلباته وبالتالي حين يصدر قانون الأحزاب بالآلية نفسها فلا بد أن يكرس ماهية الفسحة التي ترتئيها السلطة لطابع حضور التنظيمات وأشكال النشاط في الحياة السياسية طبعاً مع حفظ الفوارق في هوامش الحرية بين الحليف والمعارض.


     فهل نعزف على وتر اللامعقول عندما نطمح إلى اتباع آلية جديدة توفر للجميع، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، الفرصة المناسبة لمناقشة قانون الأحزاب وإبداء الملاحظات حوله؟! ولماذا تغدو حدثاً غريباً الدعوة أولاً الى عرض القانون العتيد كمشروع على بساط البحث وفتح ميدان المشاركة أمام أوسع القطاعات السياسية والثقافية لمحاورته ونقده وتقديم ما تراه مناسباً من اقتراحات قبل إقراره؟! ألا يعتبر مثل هذا الإجراء أحد وجوه العلاقة الصحية بين الدولة والمجتمع تخفف الى الحد الأدنى من الأخطاء المحتملة ومن اندفاع المصالح الأنانية وتوغلها في بناء صورة حقوقية ظالمة للحياة السياسية بدلاً من علاقة يفترض أن تكون توافقية ومتكافئة بين مختلف القوى المرتبطة مصيرياً بهذا المستوى النوعي من النشاط الإنساني؟!..


     أنه لمن دواعي العدل والإنصاف في مجتمع كالمجتمع السوري الذي عانى طويلاً ولا يزال من سيادة قانون الطوارئ والأحكام العرفية أن تنهض عملية صياغة قوانينه الطبيعية على قاعدة المشاركة والتفاعل بغية تمكين الجميع من المساهمة بفاعلية في بناء هذه الروابط المهمة من عقدهم الاجتماعي وتوفير المناخ الصحي، موضوعياً، لحمايتها واحترامها وضمان الالتزام بها.


فقانون، كقانون الأحزاب السياسية، يتجاذبه في سورية طرفا حبل : الأول، يعمد إلى قوننة الواقع القائم بما يضمن استمرار المناخات القديمة في تشديد قبضة السلطة على كل شاردة وواردة في مجرى العمل السياسي، والآخر يرنو إلى مناخ يطلق حرية ومبادرات كل القوى والفعاليات السياسية لتمارس وظيفتها ودورها الطبيعيين في المجتمع.


وطالما أن الأمر يرجع إلى مصالح متعارضة والى دوافع مختلفة وتالياً إلى مفاهيم ورؤى متباينة، فلا يبشر بخير أن يكون السائد منها والمؤثر في تحديد محتوى هذا القانون ودوره هو الخطاب الخاص لبعض أطراف السلطة في فهم واقع التعددية وأفقها، والإصرار على التفرد في تقرير ما يمنع أو يتاح من حريات سياسية.
      فثمة من يرى أن لا ضرورة لجديد حول التعددية السياسية في سورية،

 فهي واقع قائم وناجح، بدليل نجاح تجربة الجبهة الوطنية التقدمية التي تضم تنوعاً سياسياً متميزاً يمثل كافة مصالح المجتمع وفئاته!! لكن في ضوء ما شهده العالم من متغيرات لا مانع عندهم من مجاراة الآخرين وبناء قانون للأحزاب على صورة الجبهة ومثالها، وربما تقديم بعض " التنازلات " والتكرم بفتح باب الانتساب لأحزاب أخرى لكي تنعم بمزايا العددية الجبهوية وخيراتها!! إذ تزداد برأيهم التعددية السياسية غنى وثراء بزيادة عدد أعضاء الجبهة ليس إلا، مثلما اغتنت في العقود الماضية وزادت من خمسة مؤسسين إلى تسعة بانضمام اتحادي العمال والفلاحين إلى صفوفها وحصول انقسامات لبعض أحزابها أنجبت توائماً حقيقية احتل كل منها مقعداً جديداً خاصاً!!.


     لقد شهد العقد المنصرم تسارعاً لافتاً  في استجابة معظم الأنظمة الأحادية لاستحقاق المتغيرات العالمية  وبادر الكثير منها إلى التكيف وتأهيل نفسه لعلاقة جديدة مع المجتمع وأنشطته المختلفة، خاصة لجهة قبول مبدأ التعددية السياسية، وإجراء تعديلات في القوانين الناظمة لحرية الأحزاب وموجبات تكوينها، إلاّ أن سورية وللأسف لا تزال تسير على السكة العتيقة، وثمة من لا يزال يتمترس وراء مصالحه الضيقة وامتيازاته السلطوية ويمانع إجراء أي تغيير أو إصلاح يمكن أن يهدد أياً من مصالحه وامتيازاته مستمراً في رفض الآخر ومنع نشوء وتبلور قوى اجتماعية أو سياسية خارج حقل سيطرته المباشرة، ومصراً على التغني بتعددية سياسية صورية تقتصر على أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وحال هذه الأخيرة باتت معروفة للجميع، بأنها ليست أكثر من امتداد لنظام الحزب الواحد، ومحكومة منذ نشأتها، سياسياً وتنظيمياً، بهذا الأفق مهما تعددت وتنوعت أحزابها!!


       الطبيعي أن تجاهد الأنظمة التي تخشى تفتح الصراع السياسي كي تضع ما يحلو لها من اشتراطات مكبّلة لحرية التنظيم والنشاط السياسيين وتبقيهما ضمن حدود السيطرة والتحكم، لكن هذا الأمر ليس أهواء ورغبات بل نتاج لعلاقة توازن على الأرض، وتالياً التعددية السياسية هي شكل ملموس وعياني يعالج وضعاً سياسياً قائماً في ظرف محدد قابل للتغيير والتطوير بتغير أو زوال هذا الظرف، فإذ يرى البعض أن الشرط السياسي الراهن سوف يحد من مقومات التعددية وأفقها إلاّ أن ضيق وسعة زاوية الانفراج السياسي يعودان الى ما يحتمل أن يحدث من تطورات وأساساً إلى مقدرة القوى السياسية المعارضة على التأثير في مجرى هذه العملية وتطويرها، فلا جدوى من الصمت أو الانتظار، ولا نفع من القول إن " الدرب مسدود " وليس بيدنا ما نفعله تجاه " قانون أحزاب "

 لا بد أن يأتي ليعزز سيطرة السلطة على ساحة العمل السياسي، بل ثمة دور يُرتجى بسعي القوى المتضررة من غياب هذا القانون الى نشر وتعميم رؤيتها الخاصة عن التعددية السياسية وشروط قوننتها، جنباً الى جنب مع دعوة السلطات الى طرح مشروعها المرتقب عن قانون الأحزاب للحوار الوطني العام قبل إصداره. فلا مفر من تجاوز المعادلة المتطرفة " كل شيء أو لا شيء "، ويجب السعي، بصبر ومثابرة، للتدخل والتأثير في شروط بناء التعددية السياسية في بلادنا، فالصيرورة مفتوحة ويفترض بالقوى السياسية المتضررة من ضيق الهامش الممنوح أن تستثمر كل ما هو متاح وتوظف كل ما هو ممكن كي تفرض واقعا جديدا يؤدي بدوره إلى توسيع ما كان متاحاً أو ممكناً، ويأتي الاعتراض على إصدار هذا القانون بالآلية القديمة والمبادرة لإثارة نقاش مبكر واستباقي حوله، محاولة رافدة أو خطوة صغيرة على هذه الطريق.


        ربما نتفق مع القائلين أن هذه الرؤية مجرد طموح بعيد المنال وأن السلطات السورية لن تعيرها أي اهتمام بل أن السمة الأساسية لمثل هذه السلطات في استجابتها لحاجات المجتمع أو لضغط المتغيرات، هي البطء والتثاقل وتقديم القليل والمحدود، خاصة عندما يستدعي الأمر تعديل طرائق حكمها وأشكال سيادتها، لكن أيضاً سوف نتفق وبلا شك جميعنا على أن مثل هذه الرؤية وبالحد الأدنى سوف تضعف سياسياً وشعبياً من حضور قانون ظالم للأحزاب، وتشكل تالياً حافزاً لاستمرار نقده والاحتجاج على ما يحتمل أن يتضمنه من بنود ونواظم مجحفة بحق حرية التنظيم والنشاط السياسيين.
كاتب سوري

التعليق