ماذا أنجز في عام 2004؟

تم نشره في الأربعاء 29 كانون الأول / ديسمبر 2004. 03:00 صباحاً

 الهدفان المعلنان لشارون طيلة فترة حكمه كانا الأمن والسلام. وهذا الكلام تضليلي اذ اختلف مع ذلك وأزعم أن الهدف الأساسي لشارون واليمين المتزمت هو دفن عملية السلام  باسم الأمن والسلام. ولعل عام 2004 شهد أحداثا كثيرة على الساحتين الاقليمية وتحديدا الفلسطينية-الاسرائيلية. الا ان قدرة شارون في المناورة داخليا واقليميا كانت من القوة مما مكنه من دفن عملية السلام محققا بذلك الهدف الأسمى بالنسبة له. وهذا هو الحدث الاستراتيجي الأبرز في المسار الفلسطيني الاسرائيلي في عام 2004.


   التسلسل المنطقي مع أي احتلال كولونيالي عرفة التاريخ البشري هو أن الاحتلال يؤدي الى ظهور المقاومة بكل أشكالها المشروع منها وغير المشروع والعنيف منها وغير العنيف. والحل كان دائما واضحا وهو انهاء الاحتلال يؤدي الى انهاء المقاومة. في الحالة الاسرائيلية الأمر وان كان كلاسيكيا بمعنى أن الاحتلال سبق المقاومة الا أن الحل هو غير كلاسيكي وهو انهاء المقاومة وبعد ذلك يتم التفكير في زوال بعض مظاهر الاحتلال.


   هذا المنطق الأعوج يقهر أحرار العالم أجمع بغض النظر عن انتماءاتهم الثقافية أو العرقية. ولا غرابة في نجد ان التعاطف مع القضية الفلسطنية على المستوى الدولي كبيرا الا انه وللأسف لا يتم ترجمة هذا التعاطف الى سياسات تساعد الفلسطينيين على تحقيق أهدافهم الوطنية في التحرر والاستقلال. الا أن شارون استطاع أن يفرض هذا المنطق الأعوج على العالم. قوة شارون مقرونة باختلال موازين القوى الاقليمية لصالح اسرائيل وموازين القوى الدولية لصالح الولايات المتحدة الامريكية المتحالفة مع منطق اليمين الاسرائيلي.


   هذا الوضع على الساحتين الدولية والاقليمية انعكس بشكل واضح على اصطفافات القوى السياسية في اسرائيل اذ تمكن شارون والليكود من تعزيز موقعيهما محولين حزب العمل الى أكبر الأحزاب الصغيرة. واستطاع شارون، وهذا انجاز آخر على الساحة الاسرائيلية، من جعل خطته للانفصال الأحادي الجانب عن الفلسطينيين هي الخطة الوحيدة التي يتناقش الاسرائيليون حولها. بمعنى آخر تمكن شارون من رسم حدود الجدل العام في اسرائيل لدرجة أن حزب يوسي بيلين، ياحد، صوت ضد حجب الثقة عن شارون في إحدى المرات بحجة انقاذ فكرة الانفصال. وهذا منجز غير مسبوق في العقدين الماضيين في تاريخ اسرائيل اذ كان دائما الجدل بين اليمين واليسار وأصبح الآن داخل اليمن الاسرائيلي اذ يقف اليسار موقف المؤيد ليسار اليمن وهنا الحديث بطبيعة الحال عن شارون.


   ومع نهاية العام 2004 فقد شارون أهم ورقة مكنته من اتباع سياسة منهجية ونشطة لقتل فرص السلام وهو مقولة "غياب الشريك". من دون شك فإن رحيل عرفات كان خبرا سيئا لشارون اذ كيف يستطيع الآن التملص من استحقاقات تاريخية دون أن يفقد الكثير من الدعم المحلي والدولي الأمريكي؟!! كل هذا منوط بقدرة الفلسطينيين الذين امتلكوا فعلا فرصة رمي الكرة في الملعبين الاسرائيلي والأمريكي. وفي هذا الصدد أود الاشارة الى أن أكثر القادة الفسطينيين فهما لهذا المنطق وأكثرهم جرأة في التعبير عن رأية في هذا المجال هو مرشح الرئاسة محمود عباس. فهو يمتلك من الحكمة والتجربة والعلم ما يمكنه من مقارعة خبث ودهاء الاسرائيليين. ولا يعني هذا أن محمود عباس سيحقق كل ما نحلم به، فمتغيرات كثيرة قد تقوض فرص تحقيقه للأهداف الوطنية أو جزءا منها. وباختصار فإنه يمكن القول إن دفن عملية السلام كان المنجز الأبرز في عام 2004.

التعليق