كوريا الشمالية .. هوس التطهير

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

كريستوفر ر. هِل*
بكين - لا أحد يستطيع أن يتكهن متى وكيف قد تأتي نهاية النظام في كوريا الشمالية. قد يأتي زواله عبر انقلاب عسكري أو انقلاب من داخل القصر؛ أو انتفاضة عمالية أو انتفاضة فلاحين؛ أو كعاقبة للفشل الاقتصادي أو نتيجة لسخافة الأمر برمته. ولكن أحد عناصر نهاية أسرة كيم بات مؤكداً: وهو أن الصين سوف تكون قد تخلت عنها.
من الصعب دائماً تقييم ما يجري في كوريا الشمالية، التي يبدو الأمر وكأنها تعتبر انعدام شفافيتها وغموضها أصلاً من أصول الأمن القومي -الإبقاء على المراقبين الأجانب في حالة دائمة من التخمين، حتى حول القضايا البسيطة، مثل التاريخ الدقيق لميلاد الزعيم الحالي كيم جونج أون.
لكنه لم يكن هناك أي شيء غير شفاف في التطهير المفاجئ والإعدام السريع في الشهر الماضي لجانج سونج ثيك -أو العم جانج، كما تعودت وسائل الإعلام- في وصف وصاية كيم ذات يوم. في اجتماع للمكتب السياسي للحزب، اقتاد اثنان من حراس الأمن ذلك المسؤول البيروقراطي الكبير (67 عاماً) من مقعده في الصف الأول إلى خارج الغرفة. وفي غضون أيام حوكم وأدين -في نموذج مثالي للكفاءة القضائية. ويقول المثل الآسيوي القديم "اقتل الدجاجة فيخاف القرد". ولكن، لماذا تشغل بالك بالدجاجة ما دام بوسعك أن تقتل القرد؟
بعد نفيه مرتين، كان ظهور جانج باعتباره وصياً على الملك الصبي بمثابة تأكيد مكانته غير العادية في كوريا الشمالية، وقدرته على البقاء رغم كل شيء وأي شخص. ولكنه كان أقل ظهوراً خلال السنة الثانية من ولاية الملك الصبي في السلطة. وبعد أن كنا نراه في أي احتفال لافتتاح أي شيء، وقص أي شريط في العام 2012، لم يكن يظهر قط في العام 2013.
ربما يمكننا أن نجد دوافع كيم لتطهير جانج في أعمال شكسبير. والأمر الواضح هنا هو أن كيم يريد إحكام قبضته على السلطة، ولا يطيق صبراً على أي شخص قد يقترح خلاف ذلك. والواقع أن خطيئة نقص الولاء -كان جانج غائباً بشكل ملحوظ خلال فصل الربيع، عندما هدَّد كيم بشن حرب ضد البلدان المجاورة والولايات المتحدة- هي خطيئة مهولة ومروعة. في كوريا الشمالية، قد يكون التصفيق بفتور جريمة عقوبتها الإعدام.
إذا كان بوسع أي شخص أن يجعل المرء يشعر بالحنين إلى محاسن عهد كيم جون إيل، فهو ولده كيم جونج أون. لا يوجد من الأدلة ما قد يشير إلى أن كيم الصغير صاحب مقولة "دعهم يأكلون كعكة الشوكولاته" يمتلك أدنى اهتمام بالإصلاح أو التخفيف من معاناة أهل كوريا الشمالية. لكن جانج لم يكن إصلاحيا. وبدلاً من القلق بشأن الإمدادات الغذائية في البلاد، كان جانج يتولى مسؤولية توجيه ثروة عائلة كيم عبر متاهة من الحسابات المصرفية في قارات عدة. وكان معروفاً أيضاً بمساعدة كيم جونج إيل على خلق طبقة المسؤولين الإداريين -ذلك النظام المعقد القائم على المحسوبية، والذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الشيوعية، ويضمن ولاء المسؤولين للنظام.
رغم ذلك، فإنه كثيراً ما يجري الاستشهاد بالرحلات التي قام بها جانج إلى الصين باعتبارها دليلاً على اهتمامه بالنموذج الصيني في الإصلاح الاقتصادي. ويبدو هذا أمراً مستبعداً تماماً. والأمر الأرجح هو أن اهتمامه بالصين كان يعكس نهجه التدخلي في تمويل النظام (وربما تمويل نفسه شخصياً). وفي حين تبدأ الصين في معالجة مشاكلها المتعلقة بالشفافية، ربما يجب عليها أن تفحص بعض الصفقات المريبة التي أبرمت مع جانج وعصبته.
إذا كان جانج مفكراً مستنيراً من نوع أو آخر، فلماذا لم نر بعض علامات الإصلاح حتى الآن؟ بعيداً عن تشغيل سوق القطاع الخاص ثم إغلاقها بشكل متكرر في العاصمة بيونج يانج، فضلاً عن سوق الخضراوات العَرَضية على جوانب الطرق، فإن العلامات التي قد تشير إلى أن كوريا الشمالية ربما تسير في طريق الإصلاح، أو أن أي شخص بين الزعامات هناك يسعى إلى الإصلاح (أو كان يسعى في أي وقت من الأوقات) ما تزال ضئيلة للغاية.
صحيح أن المرء قد يجد هناك فندقاً جديداً أو اثنين. وكنت خلال زيارة في خريف العام 2008، قد أقمت وفريق التفاوض في فندق جديد حديث مملوك ليابانيين (لم نجد هناك أي يابانيين بكل تأكيد)، وشاهدت مناظرة بين المرشحين لمنصب نائب الرئيس الأميركي على قناة (سي إن إن) عبر البث الفضائي. وفي المساء، استمتعت بتناول بيرة أوروبية. وفي أوروبا الشرقية في ثمانينيات القرن العشرين، كانت مثل هذه النوادر والحكايات الطريفة ستفسر باعتبارها مقدمة لتغيير نظامي أشد عمقا؛ أما في كوريا الشمالية، فقد بدا ذلك أقرب إلى غزوة لنخبة العصابات في البلاد.
لا ينبغي أن يردع تطهير جانج المجتمع الدولي عن ممارسة الضغوط من أجل نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية. وينبغي لأولئك الذين يبدون أكثر اهتماماً بدحض الحجة الداعمة للتفاوض مقارنة باهتمامهم بنزع سلاح كوريا الشمالية، أن يتأملوا حقيقة أن واقعيتهم المفرطة ساعدت وشجعت نظاماً مكرساً على الظن بأن العالم سوف يستسلم في نهاية المطاف، ويتقبل وضع كوريا النووي.
في غياب أي تغيير في كوريا الشمالية، كان من المفهوم أن يسعى أولئك الذين يرفضون قبول شرعية برنامجها لإنتاج الأسلحة النووية إلى طلب المساعدة من الصين. ورغم أن الصين تحولت نحو سياسة أكثر صرامة في التعامل مع كوريا الشمالية، ولو بخطى بطيئة إلى حد الإحباط، فإنه ليس هناك شك في أنها تتحرك في ذلك الاتجاه. والقيام برحلة إلى الصين في أعقاب التطهير الوحشي لجانج، يكشف عن بلد يستشعر الحرج ويبدي الاشمئزاز إزاء سلوك كوريا الشمالية. وعلاوة على ذلك، أصبحت الصين ترى بالتدريج أن ارتياحها لكوريا الشمالية واختلاق الأعذار لصالحها، يشكل عاملاً رئيسياً في تحديد الكيفية التي ينظر بها العالم إلى نهضتها، وربما يكون ذلك العامل أكثر أهمية، حتى من نزاعاتها البحرية التي لا تنتهي مع كل بلدان المنطقة.
لكن التغيير في الصين يستغرق وقتاً طويلاً، ولا بد من التغلب على العديد من العادات القديمة. فقد ظلت سياسة الصين الخارجية تتسم لقرون من الزمان باعتقاد مفاده أن عدو عدوي صديقي. ولن يكون هذا كافياً للتعامل مع كوريا الشمالية؛ ومن غير الممكن أن يشكل أساساً لعلاقات الصين مع العالم في المستقبل. الواقع أن للصين مصلحة مباشرة وطويلة الأجل في الالتحاق بعضوية النظام الدولي. وترتبط الكيفية التي تتناول بها مسؤولياتها إزاء كوريا الشمالية ارتباطاً وثيقاً بتطلعاتها وطموحاتها الأوسع إطاراً.
*مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة لشؤون الشرق الأوسط سابقا، وعميد كلية كوربل للدراسات السياسية بجامعة دنفر حاليا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق