البحر الميت: هل تنقذه الأنابيب؟

تم نشره في السبت 11 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً
  • البحر الميت في غور الأردن - (أرشيفية)

جوليا أماليا هاير، وسميحة شافي – (ديرشبيغل) 19/12/ 2013
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
يفترض في الاتفاق "التاريخي" بين إسرائيل والأردن والفلسطينيين أن ينقذ البحر الميت المتقلص. لكن بعض خبراء البيئة يعتقدون أن الخطة الموضوعة لضخ المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت يمكن أن تلحق بالبحيرة المالحة من الضرر أكثر من النفع.
حتى وهو ينكمش في الحجم، يبقى البحر الميت، بحيرة الملح الفيروزية الزرقاء المتلألئة، مكاناً صوفياً غامضاً. هناك، أصبحت مراسي القوارب البحرية التي كانت خرجت لتوها من العدم مهجورة، فيما تتراجع المياه أكثر فأكثر؛ في كل عام يهبط مستوى البحر بمعدل متر. ويبدو البحر الميت وأنه يتضاءل ذاهباً إلى العدم، في وقت يحرمه فيه البشر من الماء. حيث كان يوجد الماء ذات مرة، ثمة الآن خط ساحلي متداع، مثقل سلفاً بالحفر العميقة التي يمكن أن تنفتح على حين غرة. ومع ذلك، ما يزال جمال البحيرة الذابل يجتذب الكثيرين إلى شواطئها.
لكن السؤال الوحيد المطروح الآن، هو: إلى متى؟
الآن، يتهيأ البحر الميت لكي ينقذوه -لكنه ربما يتبين واقعياً أن خطط المنقذين الذين نصبوا أنفسهم لهذه المهمة، ستكون أكثر قرباً من فكرة القتل الرحيم.
 في الشهر الماضي، وافق وزير الطاقة الاسرائيلي سيلفان شالوم، إلى جانب نظيريه الأردني والفلسطيني، على مشروع مشترك تم الإعلان عنه رسمياً، والذي سيكون من شأنه أن يقي البحر الميت من الجفاف. وفي نفس الوقت، سيقوم ما وصفه شالوم بأنه "اتفاق تاريخي" بتأمين إمدادات المياه للمنطقة القاحلة المعروفة بجفافها، كما سيرسل إشارة عن التفاهم الدولي في منطقة الشرق الأوسط.
لا شيء سوى الهدر
لكن العديد من دعاة حماية البيئة و20 من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية الذين كانوا قد رفعوا أصواتهم في وقت مسبق ضد المشروع، يقولون إن الاتفاق المشهود ليس سوى هدر ومضيعة للوقت فقط.
وتهدف الخطة إلى بناء محطة لتحلية المياه في مدينة العقبة الأردنية على البحر الأحمر، والتي ستقوم بعدئذ بتزويد كل من مدينة إيلات الإسرائيلية المجاورة، ومناطق جنوب الأردن بالمياه العذبة. وسيتم ضخ الماء المالح الذي سينشأ عن عملية تحلية مياه البحر على بعد 180 كم من خلال خط أنابيب إلى البحر الميت.
فهل سيوقف هذا البحر الميت عن التقلص؟
"هراء"، يقول جدعون برومبرغ، ببساطة. وبوصفه مديراً للمنظمة البيئية "أصدقاء الأرض في الشرق الأوسط"، كان المحامي الإسرائيلي قد شارك في كثير من القضايا المحيطة بالبحر الميت لأكثر من عقد من الزمان.
ويقول برومبرغ إن ما يجري الآن ليس مشروعاً يفتح آفاقا جديدة لإنقاذ البحيرة، وإنما مجرد عملية تبادل للمياه. إن إسرائيل والأردن ترغبان في بناء مواردهما المائية، ويشكل عمل الإنقاذ الذي يفترض أن يكون صديقاً للاقتصاد طريقة ممتازة لجذب الأموال الدولية من أجل القيام بذلك.
آثار بيئية كارثية
ليس برومبرغ هو الشخص الوحيد الذي يفكر على هذا النحو، أولاً لأن نحو 200 مليون متر مكعب من الماء المالح المقرر أن يتم ضخها في البحر الميت بحلول العام 2017 على أقرب تقدير، لن تشكل سوى نحو 10 في المائة من المياه اللازمة لوقف تراجع البحيرة.
يقول عالِم الهيدرولوجيا كرستيان سيبرت من مركز هيلمهولتز لأبحاث البيئة في مدينة هالي الألمانية، والذي يحقق في الكيفية التي يؤثر بها انخفاض منسوب المياه في البحر الميت على طبقات المياه الجوفية في المنطقة: "إن هذه الكمية من المياه غير كافية، كما أن العواقب البيئية ليست منظورة".
ما يقلق سيبرت والبيئيين أكثر ما يكون هو السؤال عما سيحدث عند خلط مياه البحر بمياه البحيرة. وتظهر التجارب التي قام بها علماء الأحياء المجهرية الإسرائيليين بالنيابة عن هيئة المسح الجيولوجي الإسرائيلية أن نقل المياه من البحر الأحمر قد تكون له عواقب بيئية وخيمة على البحر الميت. ويمكن أن تشمل هذه العواقب: نمو غير منضبط للطحالب الحمراء أو الخضراء؛ انتشار البكتيريا؛ تحول البحيرة إلى لون أحمر صدئ، وتشكل بلورات جبس بيضاء على سطح الماء.
يقول الهيدرولوجي سيبرت: "يمكن أن تصبح البحيرة كدرة تماماً". كما سيكون من الممكن أيضاً أن لا تمتزج المياه القادمة من البحر الأحمر مع مياه البحر الميت بشكل صحيح بسبب اختلاف الكثافة، وإنما يمكن أن تشكل طبقات بدلاً من ذلك. وفي سيناريو أسوأ الحالات، وفقاً لسيبرت، فإنه يمكن أن تقوي الكائنات الدقيقة نفسها وتقوم بتحويل الجبس إلى كبريتيد الهيدروجين الضار الذي تفوح منه روائح كريهة نتنة. كما أن المياه المالحة التي تتشكل كمنتج لعملية التحلية عادة ما تكون ملوثة بالمواد الكيميائية والنحاس.
حتى الآن، ما يزال المصابون بالأمراض الجلدية يُؤخَذون إلى البحر الميت بسبب قوة الشفاء التي تتوافر عليها مياهه. ولكن، من هو الذي يريد أن يستحم في بحيرة كريهة الرائحة تغص بالنفايات الكيميائية؟
يتفق سيبرت وبرومبرغ على أن أي طرف يريد إنقاذ البحر الميت أن يقوم أولاً بإنقاذ وحفظ نهر الأردن. كان النهر ذات مرة يغذي البحيرة المالحة بمائه، والآن جف تدفقه تماما تقريباً. ذلك النهر، الذي يلعب دوراً بارزاً في حكايات الكتاب المقدس، أصبح اليوم مجرد مجرى صغير بائس قذر.
المياه كسلاح
تقوم الدول المجاورة الآن بتحويل كمية مذهلة تبلغ نسبتها نحو 98 في المائة من مياه نهر الأردن، وتقوم إسرائيل وحدها بتحويل أكثر من نصف هذه الكمية لنفسها. وكانت سورية والأردن تتقاسمان البقية حتى قبل عامين، لكنه تم الآن ترك السوريين في العراء إلى حد كبير بسبب الحرب الأهلية الدائرة في البلاد. ويأخذ الفلسطينيون حوالي 5 في المائة.
من أجل استعادة النهر، سيترتب على الأردن وإسرائيل أن تتدبرا أمرهما بثلث احتياجاتهما من المياه. وهي مهمة عسيرة في المنطقة، حيث تشكل المياه دائماً سلاحاً أيضاً، وأداة للسلطة. لذلك، يمتلك برومبرغ حلاً مختلفاً في نفسه، وبالتحديد أنه يجب على الشركات الكيماوية التي تعمل على شواطئ البحر الميت، وخصوصاً شركة أشغال البحر الميت الإسرائيلية وشركة البوتاس العربية الأردنية، أن تتخليا أخيراً عن بعض من الملايين التي تجنيانها من بيع الأملاح والمعادن الأخرى.
من أجل إنتاج هذه المواد، تسمح الشركات للماء بالتبخر من بحيرة الملح بكميات ضخمة. وفي المقابل، لا تدفع هذه الشركات شيئاً في مقابل هذه المياه الثمينة.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Dead Sea: Environmentalists Question Pipeline Rescue Plan

التعليق