شومر يحاضر حول الواقعية بين بور وأينشتاين

تم نشره في الخميس 12 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • شومر خلال المحاضرة - (الغد)

عزيزة علي

عمان- قدم أستاذ الفلسفة ورئيس قسم العلوم الإنسانية في جامعة فيلادلفيا د.توفيق شومر، محاضرة بعنوان "الواقعية بين بور وأينشتاين" ضمن ملتقى الثلاثاء الفكري الذي أقيم أول من أمس في مقر رابطة الكتاب الأردنيين.
تطرق شومر إلى الحوار الطويل الذي دار بين بور وأينشتاين عبر ربع قرن حول ميكانيكا الكم وتأثير مفاهيمها على رؤيتنا للواقع، وأشار شومر إلى أن الغريب في الحوار الدائر بين قطبي الفيزياء في القرن العشرين أنه وعند كل مفصل من هذا الحوار وعندما كان يقدم أينشتاين انتقاداته على النظرية الكمومية، كان بور يعلق ابتداءً "أنا لا أفهم... لا بد أن أعيد بناء الفكرة مرة أخرى"، وكأن ما يقوله أينشتاين، رغم وضوحه، لا يرتبط مع فهم بور للفيزياء.
وأوضح شومر أن الاختلاف بين العملاقين كان بالأساس اختلاف على المنطلقات الفلسفية حول كيفية التعامل مع الواقعية عند الاثنين. فبينما كان أينشتاين معبراً عن النظرة الواقعية الكلاسيكية، كان بور معبراً عن واقعية من نوع آخر أطلق عليها شومر مفهوم "الواقعية الظاهراتية"، وحاول أن يوضح ويثبت أن بور كان مدافعاً عن هذا النمط من الواقعية في مقابل الفهم الكلاسيكي للواقعية.
وبين شومر أنه بينما يؤمن الواقعيون الآخرون بأن النظريات، أو أجزاء منها، ممثل حقيقي للطبيعة ولو بشكل تقريبي أحياناً، وأن هذه النظريات يجب، إن كانت هي الممثل الحقيقي للطبيعة، أن تكون هناك إمكانية، ولو حتى على المستوى النظري فقط، أن تتوحد بعضها مع بعض. فإن الواقعية الظاهراتية تعتبر هذه النظريات مجرد أدوات لبناء النماذج الظاهراتية الممثلة فعلاً للواقع.
وأشار شومر إلى أن الهدف الأساسي من الواقعية الظاهراتية هو محاولة للرد على الانتقادات الشديدة التي قدمت للمنهج الواقعي من قبل المنهج الاستدلال المتشائم (Pessimistic meta- induction) والمنهج الإمبريقي. وكانت الحجة الأساس لدى المنهج الاستدلال المتشائم هي الحجة المرتبطة بالثورات العلمية.
وبين شومر أن هذه الحجة تفيد أن تاريخ العلم قد أثبت أن أفضل النظريات العلمية، تلك التي حظيت بدعم تجريبي كبير، قد ثبت فشلها عند المنعطفات الثورية في العلم. وأفضل مثال على هذا هو الفشل الذي منيت به نظرية نيوتن. فإذا ما أخذنا هذا التاريخ قاعدة للاستدلال لوجدنا، على الأغلب، أن نظرياتنا الحالية ستلقى المصير نفسه من الفشل كما سالفاتها. ومن الواضح أن هذا الاستدلال هو استدلال متشائم، وأفضل ممثل لهذا التيار هو لاري لاودن.
ونوه شومر إلى أن الامبريقية (وعلى الأخص الامبريقية الإنشائية ممثلة بشخص باس فان فراس)، قدمت حجة أخرى مفادها أن الوقائع الامبريقية في العلم لا تعطي أرضية كافية للاستنتاج الذي تذهب إليه الواقعية من أن هذه الوقائع تثبت صحة النظريات العلمية وانسجامها مع الواقع. ومن وجهة نظر الامبريقية الإنشائية، فإن كل ما يمكننا قوله عن أفضل نظرياتنا العلمية المدعّمة تجريبياً هو أنها "دقيقة على المستوى الامبريقي".
ورأى شومر أن الواقعية الظاهراتية اعتمدت على فصل أفقي، أي فصل بين النتاج النظري المتعالي والنتاج النظري المحايث. واعتبرت أن النتاج النظري المحايث والمتمثل بالنماذج الظاهراتية هو النتاج الممثل للطبيعة. وتبنى النماذج الظاهراتية انطلاقاً من الوقائع التجريبية والمعرفية للوصول إلى التمثيل النظري، مبينا أن التمثيل النظري المتعالي والذي يتمثل بالنماذج النظرية، فإنه ينطلق من الانسجام الرياضي للبناء النظري، أي أن نقطة إسناده الأساسية هي البناء النظري الرياضي المتجانس. وهو يقدم كل التبريرات التي يستطيع معها أن يقدم قصة متجانسة تقدر أن تفسر الظاهرة الطبيعية. وهذا التفسير هو الذي، على الأغلب، يثبت خطأه مع الثورات العلمية.
وبين شومر أنه على صعيد البنية الرياضية فالاختلاف بين النماذج النظرية والظاهراتية يبرز عادة مع التعقيد في النموذج، فقد تتفق بعض النماذج الظاهراتية والنظرية في البنية الرياضية التي تقدمها لظاهرة ما. ولكن تختلف حول التفسير الذي تقدمه كل منهما للظاهرة.
وبين شومر أن النموذج النظري يفصل الظاهرة عن محيطها، بينما النموذج الظاهراتي يبقي بعض القيم التي يجب أن تحدد تجريبياً وهي على الأغلب قيم مرتبطة بالمؤثرات التي تستثنى في المجمل من النماذج النظرية لكونها غير مؤثرة بشكل مباشر على الظاهرة. وفي حال القصة، فالنماذج النظرية تنطلق في تفسير العوامل التي تؤدي إلى انسجام هذه النماذج مع النظريات الأساسية المعروفة في الفيزياء والتي تم اشتقاق النماذج منها.
أما النماذج الظاهراتية فتركز على تفسير الظاهرة انطلاقاً من المعطيات الظاهراتية ولا تهتم إذا ما توافقت مع تفسيرات النظريات الأساسية في الفيزياء أو لم تتوافق ما دام التجانس والتناسق المنطقي والرياضي في علاقة النموذج مع الظاهرة موجودا.
واستعرض شومر بعض النقاشات بين بور واينشتاين التي توضح هذا الاختلاف بين الفهم الكلاسيكي للواقعية لدى أينشتاين وبين الفهم الظاهراتي لدى بور.

[email protected]

التعليق