هل نأت أميركا بنفسها عن الشرق الأوسط؟

تم نشره في الخميس 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • رسم كاريكاتوري يصور انصراف الرئيس الأميركي عن العناية بالشرق الأوسط المشتعل - (أرشيفية)

دويل مكمانوس - (لوس أنجلوس تايمز) 30/10/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

قبل عامين، عندما كان الربيع العربي في ذروة ازدهاره، أعلن الرئيس أوباما أن تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط سيكون "أولوية عليا" بالنسبة للولايات المتحدة. وقال: "إننا نعرف أن مستقبلنا الخاص مرتبط بهذه المنطقة بفعل قوى الاقتصادات والأمن، وبفعل التاريخ والإيمان".
ذلك كان في حينه. أما الآن، فقد أفرزت الأعوام التي أعقبت ذلك القول ما هو أكثر قليلاً من مجرد قائمة من الأحلام المكسورة. فقد تم اختطاف ثورة مصر الديمقراطية من جانب الإخوان المسلمين أولاً ثم تم اختطافها ثانية بانقلاب عسكري. وتحولت ليبيا، في الأثناء، إلى فوضى عارمة. وذهبت سورية إلى الحرب الأهلية. فعمد الرئيس أوباما الذي أصبح أكثر حزناً، وإنما أكثر حكمة، إلى خفض سقف وحجم طموحاته.
في الأمم المتحدة في الشهر الماضي، قال أوباما إن الولايات المتحدة سوف تركز الآن على "مصالحها المحورية"، بما في ذلك القتال ضد الإرهاب، وضمان أمن إمداداتها النفطية. ولم تكن الديمقراطية مدرجة في القائمة، ولا حتى أي هدف آخر: مساعدة ثوار سورية على طرد بشار الأسد من السلطة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك وحسب؛ إذ ينوي الرئيس صرف وقت أقل على الشرق الأوسط جملة وتفصيلا. وقالت مستشارة الأمن القومي الأميركي، سوزان رايس، لصحيفة "النيويورك تايمز" في الأسبوع الماضي: "إننا لا نستطيع أن ننفق 24 ساعة لسبعة أيام لأجل منطقة واحدة فقط، مهما كانت مهمة".
يبدو ذلك كثيراً مثل فك ارتباط، لكن هذه هي الطريقة الخاطئة للتفكير في أولوية أوباما المنقلصة، كما يصر مسؤولو الإدارة على القول. وقد أخبرني مسؤول في الإدارة في هذا الأسبوع بأنه "ليس فك ارتباط... إنه موضوع يتعلق بما يجب عمله". وشرح لي بالقول إن الرئيس أوباما كان قد طلب إلى رايس في الصيف الماضي وضع قائمة بالمصالح الأميركية المحورية في الشرق الأوسط، وبأن تختصرها إلى الحد الأدنى، ساعياً إلى القيام بـ"تحركات عالية الأثر تنطوي على تأثير تحويلي" في الأعوام الثلاثة المتبقية من رئاسته.
فما الذي تضمه قائمة الأثر العالي هذه؟ إنها تضم بندين بالضبط: الأول محادثات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، رغم أن الجميع في الإدارة يدركون أنها هدف بعيد المنال. (وربما ما كانت لتدرج في القائمة لولا إصرار وزير الخارجية الأميركية جون كيري على إدراجها). والبند الثاني هو الدبلوماسية النووية مع إيران، التي تظل أولوية على طول الخط، لأن البديلين الوحيدين عن إجراء مفاوضات ناجحة هما، الملالي المسلحون نووياً، أو الحرب.
 ثمة الآن على الأقل متفائلون في الإدارة، بعد جولات قليلة من المباحثات مع رئيس إيران الجديد ووزير خارجيته، والذين يسمحون لأنفسهم بترف التفكير بأن فرصة استراتيجية كبيرة ربما تكون قد أصبحت قريبة المنال. وقال لي مسؤول الإدارة عن ذلك: "إن التقدم الحقيقي هناك يستطيع... أن يشرع في إعادة تشكيل اللعبة -ليس تحقيق وقف لبرنامج إيران النووي وحسب، وإنما أيضاً فتح مدال أوسع لإقامة علاقات طبيعية بين إيران والغرب.
ولكن، ما الخطأ في هذه الصورة؟
من المؤكد أن أوباما محق في خفض عدد الأهداف الأميركية لتتماشى مع الموارد التي يرغب هو والشعب الأميركي في الالتزام بتخصيصها. كما أن تغذية الديمقراطية في العالم العربي كانت ستظل دائماً طريقاً طويلة ووعرة. وتجدر الإشارة إلى أن المنافحين عن الديمقراطية لم يتفاجأوا عندما أعلن الرئيس جهاراً أنه خفض مكانة أجندتهم، لأنهم كانوا قد شهدوا المساعدات الأميركية وهي تتحول من برامج المجتمع المدني إلى الأمن لأكثر من عام.
لكن طرح الانتباه عالي المستوى واستثناءه من الشرق الأوسط لن يؤتي أكله على الأرجح. فالمنطقة تفرز أزمة بعد الأخرى، سواء منحناها انتباها حذراً أم لم نمحها. وستظل أسلحة الدمار الشامل، والحروب الأهلية والإرهابيون والنفط هناك. وسيكون الإعلان عن أننا لا نهتم كما كنا درجنا في السابق -حتى لو كان ذلك غالباً محاولة لتجنب اللوم عندما تتجه الأمور في الاتجاه الخطأ- خياراً أفضل سوءاً. وعندما يكون العنوان هو أن الولايات المتحدة تنأى بنفسها بعيداً عن الشرق الأوسط، فإن ذلك سيخيف أصدقاءنا وسيشجع أعداءنا.
في عموم العالم العربي، استنتج الديمقراطيون مثبطو الهمة أصلاً أن الولايات المتحدة قد تخلت عن قضيتهم. وتبدي العربية السعودية وإسرائيل -الحليفان الغريبان- قلقاً ملحوظاً لأن أوباما كان ناعماً في تعامله مع إيران. وفي مصر، استنتج كلا الجانبين -النظام العسكري والإخوان المسلمون- أن الرئيس لا يحبهما. وفي سورية، يهاجر مقاتلو المعارضة الذين كنا قد دعمناهم ذات مرة إلى معسكر الجهاديين، حيث تكون الإمدادات العسكرية أكثر وثوقاً.
منذ البداية، ظل التحدي الرئيسي لأوباما في مجال السياسة الخارجية يتمثل في تعريف ما يعنيه أن تكون أميركا قوة عظمى في حقبة يريد فيها الأميركيون إنفاق مال أقل وخوض غمار حروب أقل. وقد أنتج ذلك تذبذباً بيناً بين الانخراط المتحمس -مد الرئيس يده للعالم الإسلامي في العام 2009 وتأييده للربيع العربي في العام 2011- وبين جولات من واقعية سكب ماء الدش البارد. وربما ما يزال من غير الممكن تفادي تغيرات المزاج، لكنها جعلت من السلوك الأميركي غير قابل للتنبؤ به، وهزت أركان حلفائنا -والعديد منهم يجلسون على رأس أنظمة هشة.
في الوقت الراهن، نرى أن أوباما ومساعديه قد وضعوا الكثير من أسهمهم المتبقية على رهان المفاوضات النووية مع إيران. وإذا ما فشلت تلك المباحثات -وحتى لو نجحت، إذا فكر المرء في الأمر- فسيكون هناك الكثير من عمل التصليحات التي يجب القيام بها غيرها.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Turning away from the Mideast

[email protected]

التعليق