يجب على المعارضة السورية أن تذهب إلى جنيف

تم نشره في الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً
  • مقاتلون من الجيش السوري الحر - (أرشيفية)

رضوان زيادة* - (فورين بوليسي)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
لمعظم الشهور العديدة الماضية، ذهبت أخبار المعارضة السورية إلى الظل إلى حد كبير بسبب النقاش داخل الولايات المتحدة فيما يتعلق باحتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية، رداً على هجمات الأسلحة الكيميائية في ضاحية الغوطة الشرقية في دمشق يوم 21 آب (أغسطس) الماضي. وثمة حجة قوية تقول إن القوات الحكومية السورية هي من ارتكب الهجمات. وحيث لم يعد العمل العسكري خياراً مطروحاً مع التحضير لإعلان من الأمم المتحدة عن عقد مؤتمر "جنيف2"، استطاع ساسة سوريون مختلفون من المعارضة تغيير موضع تسليط الأضواء فيما هم يتشاحنون مع بعضهم بعضا، معلنين عن مواقف أحادية الجانب حتى قبل أن يتم بحث تشكيل الفريق المفاوض.
ربما يكون مؤتمر "جنيف2" المرجح انعقاده في الشهر المقبل الفرصة الأخيرة أمام المعارضة السورية حتى تثبت للشعب السوري أنها لم تنسه. ويعتقد العديد من السوريين الذين يشعرون بأنهم قد تعرضوا للخيانة من جانب المجموعة الدولية ومن الائتلاف الوطني السوري على حد سواء، بأن حضور المؤتمر سيكون مضيعة للوقت. لكن باستطاعة المعارضة السورية، لا بل إنه يجب عليها إثبات أنهم مخطئون.
أولاً، يجب علينا نبذ لغة انعدام الثقة والاستثناء في صفوف المعارضة السورية عندما يتعلق الأمر ببحث المواقف السياسية. إن كل شخص هو جزء من المأساة السورية. وقد دفع البعض الكثير من دمه ومن أرواح أفراد عائلته ومن ثروته. وثمة آخرون عانوا بشكل أقل. ومع ذلك، فإن الرئيس بشار الأسد جعل بوضوح كل المدن السورية سواسية في المعاناة والألم والمأساة، باستثناء تلك المدن التي ما تزال تحت سيطرته. وهكذا، وعندما نبحث موضوع جنيف، لن يتغير موقفي أبداً طالما ظللت أتنفس. يجب على الأسد أن يتنحى. كما يجب عليه المثول أمام محكمة خاصة تتولى محاكمته عن جرائمه وخيانته للشعب السوري، سوية مع كل طرف يتبين أنه شارك في قتل السوريين أو في تمزيق حلمهم بالحرية والديمقراطية.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على المعارضة السورية، الائتلاف الوطني والجيش السوري الحر على حد سواء، إظهار المزيد من الاحترام لمسؤوليتهما عن الناس المشردين والذين بلا مأوى في سورية. ومن غير المقبول أن نكون غير قادرين على توفير إجابات لملايين السوريين حول نهاية الصراع، ومتى سيكونون قادرين على العودة إلى الوطن، وما سيكون مصير أبنائهم وبناتهم المحتجزين في ظل ظروف بربرية حيث يعذبون في سجون نظام الأسد. يجب أن يكون لدينا جواب للمدن المحاصرة، كالمعظمية وداريا والغوطة الشرقية وحمص ومدن أخرى، حيث الأبناء السوريون يتضورون جوعاً حتى الموت. ويجب على المعارضة إظهار نوع من الشعور بالمسؤولية عن كل هذا، خاصة الآن حيث استحالة تحقيق انتصار من جانب الجيش السوري الحر من دون تدخل خارجي (لم يعد مرجحاً). وفي أعقاب رد الفعل الدولي على هجمات الأسلحة الكيميائية يوم 21 آب (أغسطس)، عرف الأسد أن رداً عسكرياً كان على الطريق. وهذا ما يفسر السبب في أنه عرض الصفقة التاريخية بالتخلي عن ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية. وقدم الرئيس السوري سيناريو كاملاً للولايات المتحدة لتجنب تلقي ضربة عسكرية. ورغم ذلك، استمر الأسد في تكريس موارده لقتل الشعب السوري بأسلحة تقليدية وغير تقليدية. لذلك، يجب على المعارضة السورية التركيز على الآليات التي من شأنها تشجيع المجموعة الدولية على الوفاء بالتزاماتها في جنيف.
لقد نسي العالم الشعب السوري وتركه لمواجهة مصيره بطريقته. وباستخدام الفرصة السياسية المتمثلة في مؤتمر جنيف، يجب علينا إقناع المجموعة الدولية بإجبار الأسد على الالتزام بآلية جادة لتسليم السلطة. نعم، من غير المرجح أن يوافق على ذلك أو على تنفيذ هذه النصوص. ومع ذلك، لن يستمع الأسد إلا للمجموعة الدولية إن هي تحدثت بصوت موحد. وهكذا، يجب أن تكون الأولويات الخاصة بالمعارضة السورية المتجهة إلى جنيف كما يلي:
تجنبوا أي معارك جانبية فيما يتعلق بالحضور أو من سيكون في عداد الوفد السوري. ركزوا المباحثات على السبب وراء الذهاب إلى جنيف. وماذا نستطيع أن نجني منه؟
كان مؤتمر جنيف الأول حول سورية، الذي عقد في حزيران (يونيو) من العام 2012، قد وافق على تشكيل "هيئة انتقالية تتمتع بكامل الصلاحية". وبصراحة، فإن استخدام الإعلام العربي الثابت للمصطلح "الحكومة الانتقالية" للإشارة إلى هذه الكينونة كان مربكاً. وقد أفضى في الحقيقة إلى اعتقاد البعض بأن الهدف الذي ترمي إليه المعارضة هو تولي مناصب وزارية إلى جانب الوزراء الذين يعينهم الأسد على حساب دماء الشعب السوري. ويجب على المعارضة السورية الإصرار على تشكيل مجلس انتقالي لا يكون للأسد فيه أي يد على الإطلاق. ويجب أن يتمتع هذا المجلس بسلطة كاملة، بما في ذلك على الفروع العسكرية والمخابراتية، ويجب أن يعهد إليه بمهمة إدارة الفترة الانتقالية إلى أن يتم عقد انتخابات نزيهة وشريفة.
يجب على المعارضة التركيز على وضع إجراءات بناء الثقة التي يجب أن تخضع لإشراف الأمم المتحدة. ويجب أن يتم الإفراج عن السجناء السياسيين وسجناء الضمير بالإشراف الكلي للأمم المتحدة. كما يجب أن تتلقى من نظام الأسد قائمة بكل هؤلاء السجناء بغية إجبار الحكومة على الإفراج عنهم من دون شروط مسبقة، ومن ثم تعقب ما يجري بعد الإفراج عنهم. بهذه الطريقة، تستطيع المعارضة السورية كسب ثقة الآلاف من العائلات السورية التي لها أقارب محتجزون في سجون النظام السوري. ويجب على الأمم المتحدة أن تتولى المسؤولية عن الإشراف على رفع الحصار عن الغوطة والمعظمية وحمص. وبهذه الطريقة ستكون المجموعة الدولية مسؤولة عن مراقبة تسليم المساعدات الإنسانية لهذه المناطق. وأخيراً، يجب على كل الدول التي تدعم عقد مؤتمر جنيف الالتزام بتقديم المساعدة لإعادة بناء المناطق المدمرة في سورية، وأن تقدم للعائلات المتأثرة والمكلومة تعويضات سخية نظير المعاناة التي تحملتها. وتجدر الإشارة إلى أن معظم المناطق التي سيطرت عليها المعارضة قد سويت بالأرض. ويجب على المعارضة السياسية الإقرار بضرورة تسهيل عودة ملايين اللاجئين إلى أرض الوطن، مع ضمان سلامتهم وكرامتهم. لم يسبق للسوريين أبداً أن أهينوا كما هو الحال معهم راهناً في مخيمات اللاجئين.
هذه هي النقاط التي يجب على المعارضة بحثها بدلا من بحث "سورية الحقة" أو من الذي خان من. ويجب على المعارضة السياسية التصرف باحترام مع ملايين اللاجئين. كما يجب عليها التصرف بذكاء بحيث تتمكن من التخلص من الأسد من خلال وسائل سياسية. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على المجموعة الدولية احترام التزاماتها بالعملية الانتقالية.
في الوقت الحالي، لا أستطيع رؤية أي خيار آخر. سوف يستمر الجيش السوري الحر في معاركه، لكنه سيفعل ذلك من دون تحقيق هدفنا الكامن في إقامة سورية حرة وديمقراطية. ولسوء الطالع، يبدو التدخل العسكري غير مرجح على ضوء الصراعات السياسية المحلية الأميركية. ولذلك، فإن الخيار الوحيد الذي لدينا هو إشراك المجموعة الدولية عبر جنيف في السياق السياسي من دون التنازل حتى عن حبة رمل كان الجيش السوري الحر قد كسبها. لكنه يجب علينا الشروع في بناء جبهة سياسية تمكننا من رؤية الضوء في نهاية النفق السوري.

*المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي يتخذ من واشنطن مقراً له.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Syria’s opposition must go to Geneva

التعليق