السيسي في أول حوار صحفي: أدركت أن مرسي ليس رئيسا لكل المصريين وقلت له: لقد فشلتم

تم نشره في الثلاثاء 8 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً
  • المشير عبدالفتاح السيسي - (ارشيفية)

القاهرة -  أرجع وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري الفريق أول عبدالفتاح السيسي، قناعته بعدم تغليب الرئيس المعزول محمد مرسي مصلحة البلاد على مصلحة الجماعة، إلى الدراسة العميقة للعديد من العوامل التي تبدأ من السمات العامة لشخصية الرئيس، وعلاقته بجماعة الاخوان المسلمين ونظامها وأهدافها الحقيقية.

ولفت السيسي إلى مقاربته في فهم حركة الإخوان المسلمين التي دفعت بمحمد مرسي مرشحا فاز بانتخابات الرئاسة، اذ صرح في حينه حول ما اذا كان يمكن لمرسي أن يصبح رئيساً لكل المصريين، بقوله:  ليست المسألة هل يقدر؟.. وإنما هل يريد أصلاً؟!
وأوضح في مقابلة نشرتها صحيفة "المصري اليوم" المصرية أمس، أنه قدّم تقدير موقف في نيسان (إبريل) 2010، توقع فيه حدوث انتفاضة شعبية، وخروج الجماهير إلى الشارع في ربيع 2011، مؤكدا أن كل التقديرات آنذاك كانت تشير إلى أن هناك حدثاً جللاً، المصريون مقبلون عليه.
وفي ما يلي نص المقابلة:

• كنت تتوقع أنه (مرسي) لا يريد أن يُغلّب مصلحة البلاد على مصلحة الجماعة.. كيف توصلت إلى هذه القناعة؟
- دعني أتحدث إليك مخلصاً.. فلم يكن أملي أن يصدق هذا التوقع. كنت أرغب في أن أرى عهداً جديداً يأخذ البلاد بعيداً عما يحيط بها من تهديدات، ويوفر مناخاً من الأمن والاستقرار والتنمية يحقق طموحات الشعب، أما عن قناعتي بعدم تغليب الرئيس السابق مصلحة البلاد على مصلحة الجماعة فإنها تعود إلى الدراسة العميقة للعديد من العوامل التي تبدأ من السمات العامة لشخصية الرئيس وعلاقته بالجماعة ونظامها وأهدافها الحقيقية.
والإشكالية في هذا الأمر -ودون الإساءة إلى أي أحد- نابعة من البناء الفكري والعقائدي لهذه المجموعة. وبالمناسبة هذا لا يقدح فيهم، لكنه يؤثر على جهودهم في إدارة أي دولة. إن هناك فارقاً كبيراً جداً بين النسق العقائدي والنسق الفكري لأي جماعة، وبين النسق الفكري والعقائدي للدولة، ولا بد أن يتناغم الاثنان مع بعضهما، وحين يحدث التصادم بينهما هنا تكمن المشكلة، وحتى يتناغم الاثنان مع بعضهما (نسق العقيدة ونسق الدولة) يجب أن يصعد أحدهما للآخر، إما أن تصعد الدولة إلى الجماعة، وهذا أمر مستحيل، وإما أن تصعد الجماعة إلى الدولة، من خلال التخلي عن النسق العقائدي والديني، وهذا أمر أعتقد أنهم لم يستطيعوا فعله، لأن ذلك يتعارض مع البناء الفكري للمجموعة، وسيبقى هذا الفارق بين النسقين مؤدياً إلى وضع متقاطع يقود إلى وجود مشاكل وفوارق، تجعل الناس تشعر بهذا الوضع وتخرج للتظاهر.
ومثلما هناك بناء فكري وعقائدي لجماعة، هناك أيضاً نسق وبناء فكري وعقائدي لفرد، لكن البناء العقائدي للفرد قد ينسجم مع الدولة، لأنه في هذه الحالة قد يختار الصعود إلى نسق الدولة للتناغم معها، لكن ذلك يصعب حدوثه في حالة المجموعة لأن لها عقيدة واحدة، وتتصور أنها لو فرَّطت في فرد منها، فإنها تفرّط في الفكرة نفسها.
وأنا أريد أن أقول إن مسألة "هل كان الرئيس السابق يريد ذلك أم لا؟" لم تكن مجرد رأي، لكن كانت وراءها قراءة جيدة للواقع والمشهد منذ وقت طويل، لأنني كنت أعرف الواقع وإشكالياته، وحين وصلت الجماعة للحكم كان لابد من طرح عدة أسئلة، لأن الإشكالية لم تكن فى: هل سيكون رئيساً لكل المصريين أم لا؟ لكن فى: هل هو يريد أن يكون رئيساً لكل المصريين أم لا؟، وهل يستطيع أن يكون رئيساً لكل المصريين أم لا؟، وهذا بالمناسبة لا أقوله على سبيل انتقاد أحد، فهذه الإشكالية ستواجه أي تيار لا يدرك ذلك، لأن إسلام الفرد غير إسلام الجماعة، وغير إسلام الدولة، فهناك أشياء الفرد قد يقبلها ويتعايش معها، في ظل معتقداته، ولا أحد يستطيع أن يجادله فيها، لكن في إسلام الجماعة نحن أمام مجموعة التقت على أفكار، هم أحرار فيها، لكن لا تستطيع أن تسحب إجماعها على أمر ما وتجبر الناس عليه، وهذه هي الإشكالية الموجودة في إسلام الجماعة، لأن إسلام الجماعة لا يمتد إلى إسلام الدولة، فإسلام الدولة أكثر اتساعاً ومرونة، لأن حجم الاجتهاد ضخم، والاجتهاد في جميع الأحوال لن يضر، لأننا لو أصبنا في هذا الاجتهاد فسنحصل على أجرين.
والسؤال: هل هناك أحد يستطيع أن يجادل أن هؤلاء الإسلاميين حريصون على الإسلام؟! لاشك في ذلك، لكن المشكلة أنهم لا يستطيعون التفرقة بين ممارسات الفرد فيهم كإنسان وفرد في الجماعة، وبين ممارساته في إطار نسق الدولة، وحين حدث خلط وعدم تناغم بين نسق الفرد والجماعة والدولة حدث ما نراه حالياً، فقد جعلوا الناس ترى أن الإسلام عبارة عن تخريب وتدمير، وأريد أن أقول لك إن صورة الإسلام حالياً في العالم أساء إليها مَنْ يطلقون على أنفسهم "إسلاميين"، من خلال ممارساتهم، فبدا أن هؤلاء الحريصين على الدين أساءوا إلى الإسلام بصورة غير مسبوقة، وأصبح الإسلام مرادفاً للقتل والدم والتدمير والتخريب، ولابد علينا أن نقيّم الأمور بشكل في منتهى التجرد ونرى كيف يرى العالم الإسلام، خاصة في بلادنا، ويجب أن نرى كيف ترى الدول الأخرى الإسلام، والمشكلة في التطبيق لا محالة، وليست في المنهج أبداً، التطبيق هو الذي أخرج هذا الشكل الذي أساء إلى الإسلام، في جميع دول العالم، من خلال سلوكيات وأفعال لا علاقة لها بالمنهج.
كل الشواهد والقرائن، وما لدينا من أجهزة ومعلومات، كانت تؤكد ما سبق أن ذكرته، وقلت لهم(الاخوان) من قبل أكثر من مرة إنني حريص على نجاحهم، وقلت ذلك لكل التيار الديني.

 •  توليت منصب القائد العام ووزير الدفاع يوم 12 أغسطس 2012.. القريبون من المؤسسة العسكرية كانوا يتوقعون أنك ستخلف المشير طنطاوي عند تقاعده.. أعرف أنك التقيت المشير يوم صدور القرار.. ماذا قلت له وبماذا أجابك؟
- أولاً هناك ثوابت يجب أن تحكمنا في كل شىء، وأنا كثيراً أقول إن القوات المسلحة مؤسسة وطنية تتسم بالشرف والإخلاص، والسر في ذلك أن المشهد أحياناً يظهر على خلاف حقيقته، وبالتالي حين تقرأ هذا المشهد قد يتسبب في حالة لخبطة لك، وتتساءل: يا ترى إيه الحكاية؟ هل وراء ذلك تآمر أم خيانة أم تواطؤ؟.. وهل هناك إخلاص وشرف أم لا؟.. هذه هي الثوابت التي أؤكدها دوماً، وأؤكد أن المؤسسة العسكرية وطنية شريفة، لا تتآمر ولا تخون، الهدف من ذلك أن الناس يجب أن تفهم أن هذه القيم إنسانية، رفيعة جداً، والمؤسسة التي لا توجد بها هذه القيم يجب أن تراجع نفسها جيداً، فالمسألة ليست مزايدة على هذه القيم، ومن تكون لديه هذه الثوابت لا يتنازل عنها مهما حدث، ومهما كانت المغريات.
هذا ما يهم أن يعرفه الناس في الفترة التي نتحدث عنها.
نأتي لاحتفالات أكتوبر في العام الماضي.. فوجئ الجميع بخلو المنصة الرئيسية من أبطال حرب أكتوبر، وتصدُّر قتلة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بطل الحرب، المشهد في الاحتفال.

 •  هناك من يرى أن هذه المناسبة كانت بداية توتر العلاقة بين المؤسسة العسكرية والرئيس السابق، وشعور القوات المسلحة أن الدكتور محمد مرسي لا يستحق أن يكون قائداً أعلى لها.... هل كان ذلك صحيحاً؟
- لا أؤيد الفكرة القائلة بأنه كان هناك رفض للرئيس السابق في القوات المسلحة وتزايد مع الوقت، حتى وصل بنا الأمر إلى أننا غيَّرنا النظام بالقوة، لأن ذلك لم يكن صحيحاً، ولم يكن هو الواقع.
ما حدث يأتي في سياق عدم وجود خلفية عن الدولة وأسلوب قيادتها، خاصة دولة بحجم وظروف مصر، فلو كانوا يدركون أن هذا الأمر سيعطي إشارة سلبية للمجتمع وللجيش ما كانوا فعلوا ذلك.
إنني أتحدث بمنتهى الإنصاف، وأريد عندما نتحدث عن موضوع ألا نغالي، فلا نريد أن نكون كالذي "إذا خاصم فجر"، ويحمّل الأمر بما ليس فيه.
وأدّعى أنه لم يكن عندهم فهم للدولة، ومعنى الاحتفال بمناسبة مثل تلك المناسبة، وبالتالي خرج الاحتفال الذي أعدوه في يومٍ بالصورة التي ظهر عليها.
ما حدث هو سوء تنظيم وسوء تقدير، وهو كان يريد أن يرى نظرات الإعجاب والرضا في نفوس من يرونه، فأحضر من ينطبق عليهم هذا الكلام.
والقراءة لتاريخ جماعة الإخوان، تكشف فجوة الخلاف العميقة بين الجماعة والقوات المسلحة ارتباطاً بالكثير من الاعتبارات التي يأتي في مقدمتها الخلاف التاريخي بين الجماعة وثورة يوليو 1952، وبصفة خاصة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، والخلاف العقائدي، ففي حين الانتماء والولاء بالقوات المسلحة للدولة والوطن بحدوده، فالولاء والانتماء بالإخوان للجماعة وأفكار الخلافة والأمة التي لا ترتبط بالوطن والحدود.
هذه القراءة يجسدها عدم الإدراك لدى الإخوان ومؤيديهم للبعد الوطني للعلم والسلام الوطني واليوم الوطني والمناسبات القومية على غرار الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر المجيدة وضرورة التفكر والتدبر وتذكير الأجيال بها وتكريم أبطالها وأسرهم.
والنتيجة أن الاحتفال بذكرى أكتوبر استبعد الأبطال وقرب القتلة المنتمين أو المرتبطين بالجماعة، الأمر الذي شكل صدمة لنا جميعاً في القوات المسلحة، إلا أننا كمؤسسة منضبطة لم نبادر بإظهار الاستياء والرفض لهذه التصرفات غير المسؤولة التي لا تُسيء للقوات المسلحة وإنما للدولة والشعب والأمة العربية التي كانت شريكاً متكاملاً مع مصر في هذا النصر.
أما عن إصرار قيادات الإخوان والمواقع الإلكترونية على الإساءة لقادة القوات المسلحة، فتم التعامل معه بالأسلوب المنضبط للقوات المسلحة، حين طلب عقد اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وعرض تقرير متكامل على الرئيس السابق يظهر حالة الاستياء من هذه التصرفات التي لا تتناسب مع رغبة الجماعة في تحقيق التقارب مع مؤسسات الدولة بقدر ما تسعى للصدام مع الجميع: الشرطة والقضاء والإعلام والمثقفين والقوات المسلحة والمعارضة السياسية.

 •  وفي 11 ديسمبر الماضي.. دعوت إلى إجراء حوار مجتمعي في اليوم التالي بالقرية الأولمبية بالتجمع الخامس برعاية القوات المسلحة للخروج من الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، كان ذلك في أعقاب الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس السابق مرسي وأثار غضباً عارماً، ثم الإعلان المعدّل الذي لم يفلح في تهدئة خواطر الجماهير.. لكن اللقاء أُلغي قبل ساعات من انعقاده واعتذرت القوات المسلحة للضيوف.. ما ملابسات الدعوة ثم الإلغاء؟
- نتفق جميعاً على أن الإعلان الدستوري والإعلان المعدل كشفا الوجه الحقيقي لمخطط الإخوان في التمكين، وأطلقا مرحلة الأزمات بين الرئيس السابق وجماعته ومؤيديه، وبين مؤسسات الدولة والمعارضة.
وعلى خلفية التقييم والقراءة المستقبلية للقوات المسلحة لهذه المخاطر، والرغبة في توفير مناخ لاستعادة الحوار والثقة بين مختلف الأطراف، وليس المشاركة والعودة للمعادلة السياسية جاءت فكرة الدعوة، والتي لاقت قبولاً من جميع الأطراف بما فيها مؤسسة الرئاسة.
ونحن كنا حريصين على نجاحهم في الحكم، لأن في هذا نجاحاً للدولة المصرية، وكان تقديرنا أن الدولة بظروفها الاقتصادية والتحديات التي تمر بها لا تتحمل استمرار حالة عدم الاستقرار، وبالتالي كنا نقول إن من يريد لبلاده أن تستقر وتنمو يساعد في إنجاح النظام الذي انتخبه الناس، وأريد أن أقول إن هذا ما تم بمنتهى الإخلاص والأمانة والفهم، وقلنا له من أول يوم: لابد أن تحتوي الناس.
لا يمكن أن تعيد هيكلة المؤسسات مرة واحدة. إذا كانت هناك ضرورة فالإصلاح لابد أن يأخذ مداه الزمني.
وعندما تسارعت عجلة الاختلاف السياسي بين مؤسسة الرئاسة وبين الدولة والقوى السياسية. شعرت أننا كقوات مسلحة سنتورط في هذه الإشكالية، وأن الدولة ستدفع ثمنها، وأنا لا أريد للقوات المسلحة أن تتورط ولا للدولة أن تخسر.
لذا اتصلت بالدكتور مرسي، وردَّ علي مدير مكتبه أحمد عبدالعاطي، وطلبت منه أن يعرض أمر دعوة القوات المسلحة للحوار على الرئيس، فاستحسن "عبدالعاطي" الفكرة، وقلت له: "اعرض على الرئيس وخليه يكلمني".
وفعلاً اتصل بي الدكتور مرسي وقال: الفكرة رائعة.
قلت له: نتحرك لتنفيذها؟
قال: اتحركوا.
وفعلاً دعونا الناس، وعرفت أن هناك أناساً اتصلوا بالرئيس السابق وخوّفوه من الفكرة، ودفعوه لطلب إلغاء الدعوة لإضاعة فرصة متاحة للتقارب بين الجماعة والقوى الوطنية، وهو نمط ظل سائداً حتى ثورة 30 يونيو، وهؤلاء الناس هم أنفسهم الذين أشاروا بعد 3 يوليو باستمرار اعتصام رابعة، هؤلاء ليس عندهم تقدير سياسي ولا أمني، ونصائحهم هي السبب فيما نحن فيه الآن.

 •  هل هؤلاء من داخل مصر أم من خارجها؟
- ناس مصريون.

 •  هل ينتمون للجماعة؟
- ليست هذه هي القضية، إنما أريد أن أقول إن هذه كانت نصيحتهم: ألا ينعقد لقاء الحوار الذي دعت إليه القوات المسلحة.
القوات المسلحة كمؤسسة وطنية منضبطة لا ترغب سوى في تقديم النصح ولا ترغب في السلطة، استجابت لطلب الرئاسة بإلغاء الدعوة.. حفاظاً على مكانة الرئاسة ورغبة في عدم زيادة تعقيدات الأزمة.

 •  قلت للرئيس السابق ذات مرة: "لقد فشلتم..ومشروعكم انتهى"، متى حدث ذلك؟ وكيف؟
- كان ذلك في فبراير الماضي. إنني كنت ألتقي به كثيراً وكنا نتكلم كثيراً، ورغم أن الحديث في السياسة بين أي رئيس والقوات المسلحة مسألة موضع تحفظ، فإنني كنت أستشعر أن علي التزاماً أخلاقياً ووطنياً أن أتكلم بكل وضوح، حتى لو أدّى الأمر إلى تركي منصبي، وفي كل الأحوال لن أترك منصبي قبل الموعد الذي أذنه الله، وأذكر أنني قلت للرئيس السابق يومها: "مشروعكم انتهى، وحجم الصدّ تجاهكم في نفوس المصريين لم يستطع أي نظام سابق أن يصل إليه، وأنتم وصلتم إليه في 8 شهور".

 •  في يوم 12 إبريل الماضي، كان آخر اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة يحضره الدكتور مرسي، وكان هناك غليان ناتج عن شائعات تتردد تستهدف وزير الدفاع وأنه سوف تتم إقالته، بجانب قضايا حيوية تتعلق بالأمن القومي، كمشروع قناة السويس وقضية حلايب.
- في هذا اليوم كان من الضروري أن ننقل له تقدير موقف، نحن نتحمل الإساءة، ولكن ما لا نستطيع تحمله أن يكون الوطن معرّضاً للخطر، في هذا الاجتماع قلنا إن الوطن معرض للخطر، ولابد من اتخاذ إجراءات عميقة للتجاوب مع مطالب الناس حتى تنفرج الأزمة.
وأتذكر أن الاجتماع الذي دعا الرئيس السابق لحضوره جاء على خلفية ما أثير في هذا التوقيت من شائعات وإساءات للقيادة العسكرية.. والتقارير التي تناولت قضايا مشروع قناة السويس وسلبياته والموقف من حلايب بعد زيارته للسودان وما نشر على موقع حزب الحرية والعدالة من خريطة لمصر دون هذه المنطقة.
وكان الاجتماع في جوهره للمصارحة والإعراب بشفافية كاملة عن عوامل قلق وتحسب المؤسسة العسكرية بحكم انضباطها والتزاماتها الوطنية ومصداقية وأمانة تعاملها مع الرئاسة.
وقد أسفر الاجتماع في حينه عن العديد من القرارات والنتائج التي جاء في مقدمتها التأكيد على العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية ورفض الإساءة إليها والالتزام برؤيتها في اتجاه المشروعات القومية خاصة مشروع التنمية لمحور قناة السويس بما لا يضر بالتنمية والحفاظ على متطلبات الأمن القومي ونفى ما تردد عن حلايب، فضلاً عن ترقية قادة الأفرع الرئيسية التي كانت مؤجلة لفترة منذ توليهم مناصبهم.
هنا أود التأكيد على حقيقة مهمة: إن ما كان يشغلنا ما يثار حول الحدود المصرية خاصة منطقة حلايب، وما ارتبط بمشروع تنمية محور قناة السويس.. أكثر بكثير ما كان يتردد حول إقالة لقادة، فالأمن القومي هو الذي يحظى بأولوية الاهتمام.

 •  نأتي إلى لقاء "دهشور" الشهير يوم 11 مايو مع رجال الفكر والثقافة والإعلام.. كثيرون صُدموا لتصريحك الذي قلت فيه إن نزول الجيش سيعيد البلاد 30 أو 40 عاماً إلى الوراء.. واعتبروه تخلياً من الجيش عن الشعب.. وفي نهاية اللقاء قلت "متستعجلوش".. ما الرسالة التي كنت تقصد توجيهها في هذا اليوم؟
- التصريحات في هذا اللقاء تضمنت أيضاً التأكيد على المهام الرئيسية للقوات المسلحة.. وحاجة البلاد للحوار والتعاون لتجاوز الأزمة، واستكمال العملية السياسية، وحث الشعب على اللجوء إلى صندوق الانتخابات والتواجد أمامه لفترات زمنية طويلة لإقامة الديمقراطية، أفضل لدينا من اللجوء للقوات المسلحة بما يعيد البلاد للخلف أو يدفعنا لتجارب دول لا نأمل فيها.
هذه التصريحات كانت في بيئة داخلية، تصاعدت فيها الأزمة حتى بلغت مرحلة الانسداد السياسي، وتزايد الأصوات التي تدعو لتدخل القوات المسلحة قبل انفجار الأوضاع وموقف خارجي يطرح سيناريوهات لاحتمالات تدخل القوات المسلحة.
من هذا المنطلق وخلفية العقيدة الوطنية للقوات المسلحة، كانت التصريحات التي حملت رسائل لجميع الأطراف الداخلية التي تحث الجميع وبصفة خاصة النظام على التعاون والحوار لتجاوز الأزمة بعد أن سبق للجميع إغفال تحذيرات سابقة تم إطلاقها من مخاطر تهديد أركان الدولة والانزلاق لحالة الفوضى، والرد على محاولات الخارج للتدخل في الشأن الداخلي والتشكيك في المواقف الوطنية للقوات المسلحة.
والحقيقة أنني كنت أريد أن أعطي فرصة للرئيس السابق لأن يعدل موقفه بشكل يحفظ ماء وجهه، واتصلت به بعد هذا اللقاء وقلت: "الآن لديك فرصة لمبادرة حقيقية". وقلت له "أنا دفعت التمن من كلامى، وبادفع التمن ده علشان أنا خايف من بكرة، أنا دلوقت عملت لك موجة لما تيجي تتكلم وتطرح مبادرة، مفيش حد يقول إنها جاءت تحت ضغط أي حاجة، سواء القوى السياسية أو المؤسسة العسكرية".. إذن أنا كنت أعطي فرصة للرئيس السابق لإطلاق مبادرة لإيجاد حل للأزمة ومخرج لها، لا يؤدي بنا إلى تعقيد الموقف أكثر مما هو معقد.
وفي الوقت نفسه لم أرغب أن يحمّل الرأي العام القوات المسلحة ما لا تطيق، لأني شعرت أن الرأي العام بدأ يحمّل الجيش المسؤولية كاملة، وينظر إليه على أنه المسؤول عن هذا التغيير، وأن عليه تنفيذ هذه الرؤية "وخلاص"، وهذا أمر في منتهى الخطورة.. لماذا؟.. لأني لو تركت هذه الموجة أو الرؤية تنمو في نفوس الناس على أن القوات المسلحة ستحل كل المشاكل وتنهي هذه الأزمة بين شعب في وادٍ ومؤسسة رئاسة وحكم في وادٍ آخر، فهذا معناه انقلاب، وأنا مش ممكن أعمل انقلاب لأن فكرة الانقلاب غير موجودة في أدبياتنا، لصالح الدولة المصرية، لذلك أردت أن أوضح للناس أنني لن أفعلها، وبالتالي سيقول الناس "احنا كنا منتظرينه، لكنه سكت ولم يفعل شيئاً".
ثالثا.. أنا لم أكن أريد أن ينكسر "خاطر" الناس أو أن تتحطم آمالهم في الجيش بمجرد أن تطلب هذا المطلب ولا أنفذه، فقلت على كل شخص أن يتحمل مسؤولياته، وأكدت أن هناك مخاطر شديدة جداً جداً من فكرة الانقلاب، وأن الأنسب والأفضل هو الوصول لأي تغيير عن طريق صندوق الانتخابات، وهذا بعد عدد من المحاولات الإصلاحية، وأربط بين كلامي هذا والمحاولات التي قمت بها في الشهرين الأخيرين السابقين لهذا اللقاء.

 •  كنت تقصد في ذلك اللقاء استبعاد فكرة الانقلاب نهائياً من الأذهان، وأن تقول للناس عليكم التفكير في أي شىء آخر.
- نعم؛ لأنه خطر شديد أن يقوم الجيش بانقلاب.

 •  ماذا عن تقديركم قبل تدخل القوات المسلحة لمساندة ثورة الشعب في 30 يونيو؟
- تحرك الجيش أملته علينا المصلحة الوطنية وضرورات الأمن القومي والتحسب لوصول البلاد إلى الحرب الأهلية في غضون شهرين إذا ما استمرت الحالة التي كنا فيها، القوات المسلحة كانت تتابع الموقف في البلاد، وكانت تقديراتها أننا لو وصلنا إلى مرحلة الاقتتال الأهلي والحرب الأهلية فلن يستطيع الجيش أن يقف أمامها أو يحول دون تداعياتها، وستكون خارج قدرته على السيطرة.-(المصري اليوم)

التعليق