ما الذي تعنيه شارة "رابعة" لمستقبل مصر؟

تم نشره في السبت 28 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • متظاهر مصري مؤيد للإخوان يرفع شارة "رابعة" أمام عربات الجيش - (أرشيفية)

ناثانيل زيلنسكي – (ذا أتلانتيك) 20/9/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

سوف يلاحظ المراقبون المخضرمون للاحتجاجات المؤيدة لمرسي في مصر ذلك الرمز الجديد الذي شرع في الظهور في صور الحشود المحتجة: أصبح المتظاهرون الآن يرفعون أربعة أصابع في الهواء. وثمة الكثيرون ممن يحملون شاخصات صفراء رُسمت عليها صورة الشارة نفسها.
تشير هذه الشاخصة الجديدة باليد إلى مسجد رابعة العدوية، موقع المواجهة العنيفة التي جرت بين أتباع مرسي والجيش المصري. ويتراوح عدد الوفيات الذي أوردته التقارير عن ضحايا ذلك الصدام بين المئات والآلاف من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين. وقد جاء هذا الرمز من اقتران معنى "رابعة" في اللغة العربية بالعدد أربعة.
هذه الإشارة الجديدة باليد مهمة لأنها تؤشر على تحول واع في تركيز جماعة الإخوان المسلمين من مخاطبة الجمهور العالمي إلى الجمهور العربي بالتحديد، كما تؤشر على رفض لمُثُل الربيع العربي في الوقت نفسه.
وقد جاءت شارة "رابعة" هذه لتحل محل شارة أكثر شهرة في العالم العربي: شارة (V) بالإصبعين السبابة والوسطى كتحية للنصر، وهي إشارة تتسامى فوق اللغة والجنسية. ويعرف معظم الأميركيين ما تعنيه إشارة (V) كرمز للسلام بعد أن استخدمتها الحركات المناهضة للحرب والمضادة لأحادية الثقافة على نطاق واسع في أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وقد ابتكرت (بي بي سي) هذه العلامة في الحرب العالمية الثانية كجزء من حملة دعائية لعموم الحلفاء –ونستون تشرشل وهو يدخن السيجار ويرتدي بدلة مقلمة ويشير بيده بالحرف (V)، مع ابتسامة- ثم انتقلت هذه الإشارة إلى العالم العربي عندما أشاعها ياسر عرفات في العام 1969. وحتى يومنا هذا، ما يزال الفلسطينيون يصنعون شارة النصر (V) بأصابعهم لدى إطلاق سراحهم من السجون الإسرائيلية، كما تظهر الشارة بوضوح وكثافة في تظاهرات ومسيرات غزة.
خلال الربيع العربي، ربطت شارة النصر بين الانتفاضات المتفرقة عبر الشرق الأوسط وحولتها إلى حركة موحدة. ومن مصر إلى ليبيا، ومن الأردن إلى سورية، سمحت شارة (V) للمتظاهرين بتوصيل مجموعة من القيم المشتركة التي جسدها بداية بائع خضار تونسي ضحى بنفسه: نصفها حرية اقتصادية، ونصفها الآخر تقرير المصير الوطني.
كصورة بصرية في عصر وسائل الإعلام الاجتماعية، ساعدت شارة (V) الربيع العربي على تجاوز العديد من الحواجز اللغوية والثقافية التي تتقاطع في منطقة الشرق الأوسط –وبغير ذلك، كان الثائر في بنغازي سيجد عنتاً في فهم لهجة متظاهر يهتف في ميدان التحرير.
بالإضافة إلى ذلك، سمحت شارة (V) للمتظاهرين المناهضين للنظام العربي بالتحدث إلى الغرب. وعندما التقت هيلاري كلينتون بالثوار الليبيين في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2011، وقفت أمام عدسات التصوير وهي ترفع شارة النصر (V) التي يرفعها الثوار من حولها أيضاً. وكانت الرسالة واضحة: إن الولايات المتحدة وليبيا تشتركان في نفس القضية.
في مصر اليوم، حولت جماعة الإخوان المسلمين عمداً شارة النصر (V) إلى شارة "رابعة" بالأربعة أصابع. وفيما يلي أربعة أسباب تجعل من ذلك أمراً مهماً ويُحدث فرقاً:
أولاً، بإشارة "رابعة"، اختارت جماعة المسلمين قصر رسالتها على العالم الناطق بالعربية. ففي الغرب، وما لم تكن تتعقب تعقيدات حملة الجيش المصري على المتظاهرين المؤيدين لمرسي، فإن شارة الأصابع الأربعة لن تعني لك أي شيء. كما أن كلمة "رابعة" نفسها هي لفظة غريبة على الغرب، وليست للأصابع الأربعة أي دلالات قبلية موجودة سابقاً في الوعي الغربي. ويعني استخدام "رابعة" أن جماعة الإخوان تهتم ببناء دعم سياسي في منطقتها الخاصة –وأنها تستثني الرأي السياسي الغربي بوصفه أقل أهمية.
ثانياً، باستخدام هذه الشارة الجديدة، تنأى جماعة الإخوان المسلمين بنفسها عن إرث الربيع العربي. فكما تبين، وبمجرد أن أصبح رئيساً، برهن محمد مرسي على أنه غير ديمقراطي إلى حد مثير للدهشة. فقد ملأ المناصب بأعضاء جماعة الإخوان وحاول اغتصاب صلاحيات حزبه نفسه. وقبل سقوطه، اشتكى الكثير من المعلقين، داخل مصر وخارجها، من أنه انتهك المُثُل العيا للثورة والانتخابات التي تلتها وأتت به إلى سدة السلطة، على الرغم من تعهدات مرسي السابقة بحماية الديمقراطية في مصر. وتتيح شارة "رابعة" لمؤيدي مرسي تجنب هذا الماضي القريب وغير السار من الوعود التي لم يتم الوفاء بها. وهي تشتت موضع تركيز المناقشة عن حقيقة أن الإخوان أثبتوا أنهم حكام بائسون، تخلوا عن وعد الربيع العربي، وتركز الشارة الانتباه بدلاً من ذلك على فظائع الجيش المصري.
ثالثاً، إن "رابعة" هي رمز مُصنَّع. وتضع تقارير مختلفة أصله في تركيا، وليس في مصر. ويفترض أنه نشأ بشكل عفوي عندما كان لاعبو كرة القدم الأتراك يسجلون هدفاً ويرفعون أربعة أصابع في الهواء –دعماً لأولئك الذين قُتلوا في ميدان رابعة العدوية، كما يزعمون. وبعد ذلك بوقت قصير، تبنى رئيس الوزراء التركي هذا الرمز وأشاعه. ووفق كل الاحتمالات، فإنه يرجح أن تكون "رابعة" حملة مدبرة ومُدارة بذكاء في تركيا لربط إردوغان مع الإخوان المسلمين بطريقة متعاطفة.
لماذا يهم ذلك؟ هنا مرة أخرى، سوف تساعد المقارنة مع شارة النصر (V) في إضاءة أهمية شارة "رابعة". في الربيع العربي، كانت شارة النصر عفوية. وقد ازدهرت على الفيسبوك والتويتر. ولم تقم أي سلطة علوية بإملاء استخدامها. وكانت الصلات العربية الجامعة والغربية الجامعة التي جسدتها علامة النصر قوية بالتحديد، لأن عفوية (V) الأصيلة عكست شعبية أصيلة. وفي تضاد حاد، تم إنشاء شارة "رابعة" عن قصد، ولخدمة غرض محدد. إنها تكشف عن جذور حركة الإخوان المسلمين كحزب سياسي، ونوعية الدعاية التي تعتمد عليها. إن أنصار مرسي ليسوا حركة مدعومة شعبياً ذات قاعدة عريضة جداً ومتنوعة.
رابعاً، تكشف "رابعة" عن التوترات القائمة بين الفصائل المختلفة في الشرق الأوسط. فعن طريق رفض إشارة النصر العربية الجامعة، تنأى جماعة الإخوان المسلمين بنفسها عن الصراعات، مثل الصراع السوري، حيث ما تزال علامة النصر تستخدم على نطاق واسع. وعلى سبيل المثال، دعمت حماس الفلسطينية الثوار السوريين الأصوليين، لكن حزب الله لا يفعل –ومع ذلك استخدمت المنظمتان شارة النصر (V) كرمز سياسي. وبدلاً من التماهي مع الأسد أو مع الثوار السوريين أو أي كيانات أخرى في الشرق الأوسط، يستخدم أنصار مرسي شارة "رابعة" للإشارة إلى القضايا المصرية وحدها. وبفعلهم ذلك، فإنهم يقومون بتحييد وتجاهل الانقسامات السياسية المعقدة في شرق أوسط اليوم.
بالنسبة لنا، نحن المراقبين الغربيين، تُعلمنا شارة "رابعة" درساً مهماً: بينما تستمر الاضطرابات في مصر وعبر الشرق الأوسط، فإننا يجب أن لا نعي دلالات الخطابة اللفظية فقط، وإنما معنى استخدام الشارات أيضاً. وبرفعهم الأصابع الأربعة والتلويح بها بدلاً من شارة النصر التقليدية (V)، فإن أنصار جماعة الإخوان المسلمين يؤشرون على رفضهم لفكرة الحركة الدولية واعتناقهم لأجندة مصرية متفردة مستقلة بذاتها.


*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 What This Hand Gesture Means for Egypt's Future

[email protected]

التعليق