برجس: الكتابة ثورة جمالية على البشاعة وضد الظلامية

تم نشره في السبت 21 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • الشاعر والقاص والروائي الأردني جلال برجس - (أرشيفية)

عزيزة علي

عمان- رأى الشاعر والقاص والروائي الأردني جلال برجس أن الكتابة الحقيقية هي "ثورة جمالية على البشاعة، وثورة توهج على الظلامية، وهي ترمم وجه الكون الذي ما زالت أدوات الحرب تناصب الحبَّ فيه العداء".
ويعتبر برجس الذي درس هندسة الطيران وعمل في مجالها لعشرين عاماً، أن المزاوجة بين الأجناس الأدبية أي "الكتابة الإبداعية في أكثر من جنس أدبي" لا تؤثر على الإبداع، كما لا تؤثر على الطاقة الإبداعية، بل إنها ترفدها بما يمنحها قوة تجعلها راسخة في ذائقة المتلقي، "لأن الأجناس الأدبية سليلة أب واحد ألا وهو الأدب".
"ولدى المبدع قدرة كامنة في دواخله، تمنحه شرعية التنقل ما بين تلك الأجناس الأدبية"، وفق ما يرى برجس، الذي يجد أن ثمة خللا يمكن أن يحدث إن فقد الكاتب التوازن في لحظة الكتابة، مشيرا إلى أن الكثير ممن كتبوا الرواية كانوا قد كتبوا الشعر، حيث نجح منهم عدد كبير وآخرون أخفقوا، ويكمن سر النجاح في القدرة على إحداث التوازن في النص الروائي.
ونوه برجس إلى أن هنالك روايات كتبها شعراء لم تلق القبول عند المتلقي بسبب الشعرية على حساب الحكائية، "وهذا ما يحدث لدى بعض من يزاوجون في تعاطيهم مع الأجناس الأدبية، ولكن هنالك روايات تحقق عنصر التوازن حيث جاء المزاج الشعري كصوت للقلب في فضاء الرواية، وجاء البناء الروائي وخطابه كصوت للعقل"، موضحا ذلك كما حصل مع الروائي العالمي "وليم فوكنر" الذي بدأ حياته شاعرا، ونجح  في كتابة العديد من الروايات التي وجدت رواجاً عالمياً واسعاً.
وأكد أن هذه المزاوجة عنده لم تؤثر على سوية الكتابة، لأنها مزاوجة شرعية، توخى فيها العدل، معترفا بوجود شعرية في القصة التي يكتبها وفي الرواية، وفي النص المكاني.
ورغم احساسه بأنه ينتمي إلى كل الأجناس الإبداعية، التي لها طقوسها الخاصة ومزاجها المتفرد ومساحاتها المتعلقة بالبوح وأدواته، لكنه يرى أنه ينتمي إلى الشعر، حتى ان أول اصداراته كانت مجموعة شعرية، مع انه كتب الرواية مبكرا.
ولبرجس فلسفة في الكتابة الإبداعية ومدى اقترابها من الهم العام، إذ يرى أن القصيدة مثلا، لا تعيد لأم ولدها الذي مات تحت أنقاض بيت انتهكت صموده قذيفة ، لكنها -أي القصيدة- قادرة على أن تجعلنا نرى وجهاً آخر للمأساة، "ليس لاجترار الوجع، بل لنجعل منه نقطة تفتيش كلما مرّت مشاعرنا عبر الطريق التي تأخذنا لأيامنا"، كما يقول.
ويرى برجس أن الهم العام لن يتلاشى من خطاب القصيدة، حتى لو استغرقت بذاتيها، ما يستجد هو أن القصيدة صارت قابلة لأن يتقاطع فيها الذاتي بالموضوعي، فقصيدة تتطرق لوردة داستها قدم لا تَرى، هي ذاتها القصيدة التي تتطرق لرصاصة ظلامية أنهت حياة حالم بحياة رهانها الوحيد على الإنسانية.
وحول الاختلاف بين لحظة البداية والنهاية من القصيدة والفرق بين الميلاد والانتهاء يقول "إن لحظة الانتهاء من القصيدة هو انتهاء من التحليق خارج ملموسات الكون وبالتالي العودة وتحت لسان القلب سكّر القصيدة ذاتها، أما ميلاد القصيدة فهو مباغت يأتي خلسة، ولو أن له علامات وأعراضا ترافقني قبيل الشروع بالكتابة".
ويفسر ذلك بقوله "إن لحظة الانتهاء هي لحظة مفاجئة؛ ففي كل قصيدة نقطة نهاية، حتى لو استعضنا عنها بفاصلة، أحياناً تتساوى لحظة البداية بلحظة النهاية، واحياناً تتفوق واحدة على الأخرى، إنه عالم القصيدة السري والإشكالي، حيث تجدنا أسرى لحريته الشاسعة".
وفيما يتعلق بترجمة كتابه "شبابيك تحرس القدس" إلى لغات سبعة، يرى أن الترجمة تمنح الأفكار فرصة لأن يطلع عليها الآخر، وبالتالي المساهمة القوية في انتشار الكاتب والمكتوب، موضحا ذلك أنه لولا حركة الترجمة لما استطاع الكثير قراءة المنجزات الإبداعية التي كتبت بلغات غير العربية.
لكنه يرى ان الترجمة في العالم العربي محكومة بكثير من الأزمات التي عليها أن تحل فهنالك منجزات إبداعية مهمة في العالم العربي، حري بأن يقرأها الآخر.
وفي روايته الجديدة "مقصلة الحالم" أراد أن يقول "إن الحب بكل تجلياته الإنسانية صار الجبهة الوحيدة التي نعول عليها في الإعلاء من راية الإنسانية، وبالتالي إسقاط رايات الموت المجاني الذي توزعه أياد متغولة كل يوم"، لافتا أن الحياة في هذه الرواية تبدو كسجن كبير، حيث تقاتل شخصياتها حتى تخرج من هذا السجن، ليس لأن الشخصية الرئيسية مضى عليها زمن طويل في السجن.
وبين برجس انه يكتب الرواية والشعر ولكنه يحاول أن لا تطغى رؤية وأدوات أي واحد على الآخر، مبينا ان الروائي معني بالحكاية التي هي أهم عناصرها، حكاية الواقع الذي تجب رؤيته من عدة زوايا ليس لكتابته كما هو، بل النظر إليه كما ينبغي، كما أن الشاعر كان معنياً بالحلم، وبما لا يمكن أن يُرى.
وقال برجس "إن الشعر هو الوحيد القادر على كشف واجتراح مسارات جديدة في هذا الكون لا ترى  في السياق اليومي، مشيرا الى انه حاول أن يجعل قلمه عينا على الحلم وعينا على الواقع، وأن يكون متوازناً بين الرؤيتين".
وفي حالة القتل وسفك الدماء، رأى برجس انه يمكن للأدب أن يوازي المأساة، خصوصا وأن ضجيج القاتل هذه الأيام مرتفع، ونحيب الذات الإنسانية في النص الأدبي أيضاً مرتفع، منوها الى أن الأدب والفن ربما يفتقد قدرته على رصد رصاصة تيمم صدر ضحية عزلاء من السلاح، لكنه قادر على أن يجعل الضحية تتنحى جانباً، فتمر الرصاصة لترتطم بالتراب، فلا تجني إلا الغبار.
وبين برجس انه في أدب ما بعد الحداثة لم ير كتابُه منظومة القيم تلك، بل رأوا العالم عبارة عن بؤر مشتتة، ولايجدي التعويل إلا على اللحظة الراهنة، لذلك بقيت اللغة هي بطل النص، تعيش هذيانها المحموم، في غياب فكرة يبحث عنها متلق في هذه الأيام يواجه أبشع أشكال التغول على الإنسانية.
واعتبر برجس ان كثرة الإنتاج أو قلته ليس دليلا على الابداع وامتلاك الفكرة، مبينا ان ثمة كتبا كثيرة صدرت لم تضف للمكتبة سواء العربية أو العالمية شيئاً، بينما كتاب واحد أضاف للمنجز الإبداعي الكثير الكثير، مشيرا الى أهمية امتلاك الكاتب إلى أدوات وشروط التعبير عن فكرته.
ورأى أن المتلقي شريك وعنصر مهم في تأصيل المبدع والإبداع وبخاصة في غياب النقد، مشددا على أهمية أن يكون الكاتب أو المبدع ثائراً وثورياً على الواقع، فلا إبداع من دون ثورة، فالكاتب الملتزم بثوابت موهبته وبعقيدته الأدبية وتطلعاته هو بطبيعته الإبداعية، ثائر على أي سائد.
ويعتبر ان "الحداثة وما بعدها" خرجت من فكرة الثورة على المنظومات السائدة، التي لم تنقذ العالم من ويلاته، وبالتالي تهشيم البنى الكلاسيكية في الأدب، وفي مناح كثيرة؟ فالثورة في الأدب تعني التغيير سواء كان راديكالياً أو أقل، مشيرا الى أن هناك أعمالا إبداعية توازي الكارثة، سواء في خطابها أو في الشكل الفني للخطاب.
وعن الكتابة ولمن نكتب قال برجس:" إننا نكتب لنرمم وجه الكون الذي ما تزال أدوات الحرب تناصب الحبَّ فيه العداء، نرممه بشهادتنا على ما يطرأ عليه من قسوة، ونكتب ضد الموت والقحط والبارود والقهر والظلم، وضد أن تنام امرأة وفي مآقيها دمعة كبيرة ماعاد إسفنج الوسادة قادرا على أن يخبئها في مسامه، ونكتب ولو أن سلاحنا كلمات يمكن لها أن تموت أيضاً".
يحلم برجس وهو يكتب الشعر بالوعول وهي تهبط من أعالي جبل "نبيو"، تحمل له معها ذلك الماء السري الذي يحلم به يبدد قامة العطش، ولكنه يكتب الرواية بفتنة الحكاية.

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق