حان وقت العمل في الشرق الأوسط

تم نشره في الجمعة 30 آب / أغسطس 2013. 02:00 صباحاً
  • أنصار لجماعة الإخوان المسلمين يتظاهرون بداية الشهر الماضي قرب جامعة القاهرة مطالبين بعودة الرئيس المعزول محمد مرسي - (أ ف ب)

توني بلير*

في أعقاب استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية، كان الإعلان عن قمة طارئة في الأردن هذا الأسبوع، تضم قادة عسكريين من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر، تطوراً محمودا. فقد أصبحت السياسة الغربية الآن عند مفترق طرق: فإما الاكتفاء بالتعليقات أو التحرك؛ إما تشكيل الأحداث أو الاستجابة لها.
بعد الحملات العسكرية الطويلة والمؤلمة في العراق وأفغانستان، فأنا أتفهم كل دافع للبقاء بعيداً عن الاضطرابات، والمراقبة من بعيد بلا تدخل، وتصعيد الخطاب ولكن بدون الانخراط في المسألة الصعبة القاسية المتمثلة في محاولة تغيير الواقع على الأرض. ولكن ينبغي لنا أن ندرك خطورة العواقب المترتبة على التقاعس عن العمل.
إن الناس يجفلون من فكرة التدخل. ولكن علينا أن ننظر في العواقب التي قد تترتب في المستقبل على التردد والتقاعس. فقد تحولت سورية، الغارقة في المذابح بين وحشية بشار الأسد وجماعات متعددة تنتمي إلى تنظيم القاعدة، إلى أرض خصبة للتطرف، وأصبحت أشد خطورة من أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي. كما أن مصر في حالة من الفوضى، حيث يبدو الغرب، رغم ما ينطوي عليه هذا من ظلم، وكأنه يقدم العون لأولئك الذين يريدون تحويلها إلى نسخة سُنّية من إيران. وإيران ذاتها، برغم رئيسها الجديد، ما تزال دكتاتورية تحكمها فاشية دينية، ولديها قنبلة نووية. وقد يبدو الغرب مرتبكا، ويصاب حلفاؤه بالهلع، ويتجرأ أعداؤه. وهذا هو السيناريو الكابوس، ولكنه ليس بعيداً عن التحول إلى واقع مرير.
لنبدأ بمصر. يرى كثيرون في الغرب بوضوح أن المؤسسة العسكرية المصرية أزاحت حكومة منتخبة ديمقراطية، وأنها الآن تمارس القمع ضد حزب سياسي شرعي؛ فتقتل أنصاره، وتسجن زعماءه. لذا، فإننا نسلك مساراً ثابتاً نحو نبذ الحكومة الجديدة. وبهذا نتصور أننا نتمسك بقيمنا. وأنا أتفهم وجهة النظر هذه تماما، بيد أن تبنيها يشكل خطأ استراتيجياً فادحا.
إن المغالطة التي ينطوي عليها تناول الأمر من هذه الوجهة تكمن في طبيعة جماعة الإخوان المسلمين. فنحن ننظر إليها باعتبارها حزباً سياسياً طبيعيا، وهذا غير صحيح على الإطلاق. فإذا أردت أن تنضم إلى حزب المحافظين في المملكة المتحدة، أو الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني، أو الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، فبوسعك أن تفعل هذا بسهولة وسوف يرحبون بك بحرارة. ففي كل هذه البلدان تحترم كل الأحزاب الحريات الديمقراطية الأساسية.
أما جماعة الإخوان المسلمين، فهي ليست حزباً على هذه الشاكلة. فاكتساب العضوية فيها يتطلب الخضوع لعملية تمتد لسبع سنوات من المراقبة والحث والتلقين وغسل الدماغ. إن جماعة الإخوان المسلمين حركة تدار وفقاً لتسلسل هرمي أقرب إلى البلاشفة. وما عليك إلا أن تقرأ خطب قادة الجماعة؛ تلك التي لا تستهدف آذان الغربيين، بل تخاطب المنتسبين إليها. إن ما فعله الإخوان في مصر لم يكن "حكماً رديئا". فإذا انتخبت حكومة سيئة، فهو أمر مؤسف، ولكن عليك أن تتعايش معه. أما جماعة الإخوان المسلمين فكانت على النقيض من هذا، تعمل بشكل منهجي على تغيير الدستور، وفرض سيطرتها على مفاصل الدولة من أجل جعل أي محاولة لتحدي حكمها أمراً مستحيلا. وكانت تفعل ذلك ساعية إلى فرض قيم تتناقض مع كل ما ترمز إليه الديمقراطية.
وعلى هذا، فقد تكون محقاً عندما تنتقد تصرفات الحكومة العسكرية الجديدة في مصر، أو ردود أفعالها المفرطة؛ ولكن من الصعب أن تنتقد التدخل الذي جاء بهذه الحكومة. الآن، أصبحت كل الخيارات التي تواجهها مصر قبيحة. فهناك أعداد كبيرة من الجنود وقوات الشرطة بين الضحايا، فضلاً عن المدنيين. وكناتج ثانوي لسقوط معمر القذافي في ليبيا، أصبحت مصر تعج بالأسلحة. ولكن إدانة المؤسسة العسكرية ببساطة لن تجعل العودة إلى الديمقراطية أقرب بأي حال من الأحوال.
إن مصر ليست صنيعة لعبة القوى العالمية العظمى في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين، بل هي حضارة قديمة، يمتد تاريخها آلاف السنين في الماضي، وشعبها متشرب بحس قوي من الكبرياء الوطني. والجيش يحتل مكانة خاصة في مجتمعه. والشعب المصري يريد الديمقراطية حقا، ولكنه يترفع بإباء وشمم إزاء المنتقدين الغربيين الذين يرى أنهم يتعاملون بسذاجة مطلقة في مواجهة التهديد الخطير الذي تفرضه جماعة الإخوان المسلمين على الديمقراطية.
إن الواجب يملي علينا أن ندعم الحكومة الجديدة في جهودها الرامية إلى تحقيق الاستقرار في البلاد؛ وأن نحث الجميع، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، على إخلاء الشوارع من مظاهر الاحتجاج؛ والسماح بعملية مناسبة وقصيرة لإجراء انتخابات تحت إشراف مراقبين مستقلين. ولا بد من وضع دستور جديد يحمي حقوق الأقليات، ويعكس الروح الحقيقية للبلاد. ويتعين على كل الأحزاب السياسية أن تعمل وفقاً للقواعد التي تضمن الشفافية والالتزام بالعملية الديمقراطية.
هذا هو السبيل الواقعي الوحيد لمساعدة هؤلاء الذين ربما يشكلون الأغلبية، والراغبين في بناء ديمقراطية حقيقية، وليس مجرد خوض انتخابات تُستغل كسبيل إلى الهيمنة.
وفي سورية، فإننا نعلم ما يجري هناك، ومن الخطأ أن نسمح به. ولكن فلننح أي حجة أخلاقية جانباً، ولنفكر للحظة في مصلحة العالم. إن عدم القيام بأي شيء يعني تفكك سورية وانقسامها في بحر من الدماء، فضلاً عن زعزعة استقرار البلدان المحيطة بها، وانطلاق موجات من الإرهاب تجتاح المنطقة. وسوف يظل الأسد محتفظاً بسلطته في القسم الأكثر ثراءً من البلاد، في حين يحكم القسم الشرقي النائي من البلاد الغضب الطائفي المرير. وسوف تكون إيران، بدعم من روسيا، مسيطرة مهيمنة، فيما يظل الغرب عاجزا.
وإني لأتعجب عندما أسمع الناس يتحدثون كما لو كان من غير الممكن القيام بأي شيء: إن أنظمة الدفاع السورية قوية للغاية، والقضايا شديدة التعقيد، وفي كل الأحوال لماذا ننحاز إلى جانب دون الآخر ما دام الجميع في السوء سواء؟
لكنّ آخرين قرروا الانحياز. وهم لا يخشون التدخل المحتمل. بل إنهم يتدخلون دعماً للنظام الذي يعتدي على المدنيين بأساليب لم نشهدها منذ أيام صدّام حسين المظلمة.
الآن، حان وقت الانحياز إلى صف الناس الذين يريدون نفس ما نريد؛ والذين يرون في مجتمعاتنا، برغم كل ما فيها من عيوب، شيئاً يستحق الإعجاب؛ والذين يدركون أنه لا ينبغي لهم أن يُرغموا على الاختيار بين الطغيان والفاشية الدينية. وإنني لأشعر بالاشمئزاز إزاء الفكرة الضمنية الكامنة وراء الكثير من تعليقاتنا وشروحنا في الغرب بأن العرب، أو ما هو أسوأ، المسلمين، غير قادرين على فهم الكيفية التي قد يبدو عليها المجتمع الحر، وأنهم لا يؤتمنون على شيء بحداثة النظام السياسي الذي يضع الدين في مكانه الصحيح.
هذا غير صحيح. والحق هو أن صراع حياة أو موت يدور الآن حول مستقبل الإسلام، حيث يسعى المتطرفون إلى تخريب تقاليد العقل المنفتح المتقبل للأفكار الجديدة التي يتسم بها الإسلام الصحيح، وتدمير العالم الحديث في الوقت نفسه.
وفي هذا الصراع، لا ينبغي لنا أن نلتزم الحياد. فحيثما دمر هذا التطرف حياة الأبرياء -من إيران إلى سورية ومصر وليبيا وتونس، أو أي مكان آخر في أفريقيا وآسيا الوسطى والشرق الأقصى- لا بد أن نكون إلى جانبهم.
وباعتباري واحداً من مهندسي السياسة بعد الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، فأنا أدرك ما تنطوي عليه عملية اتخاذ القرار من جدال وآلام وكرب وتكاليف. وأنا أفهم لماذا تأرجح البندول بشدة نحو الاتجاه الآخر. ولكن ليس علينا بالضرورة أن نعود إلى تلك السياسة من أجل إحداث الفارق. ومن المؤكد أن القوى التي جعلت التدخل في أفغانستان والعراق أمراً بالغ الصعوبة، هي ذات القوى الكامنة في قلب العاصفة اليوم.
لا بد من إلحاق الهزيمة بهذه القوى. وهزيمتهم واجب علينا مهما استغرق الأمر من وقت، لأنهم لن يختفوا لو لم نفعل. بل إنهم سوف يكتسبون المزيد من القوة، إلى أن نجد أنفسنا عند مفترق طرق آخر؛ وعند تلك النقطة لن نجد أمامنا أي خيار.

*رئيس وزراء بريطانيا في الفترة 1997-2007.
خاص بـ الغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق