الرد الروسي المتوقع على التدخل في سورية

تم نشره في الجمعة 30 آب / أغسطس 2013. 02:00 صباحاً
  • مدمرة أميركية حاملة للصواريخ تابعة للأسطول السادس تمخر عباب البحر المتوسط -(أرشيفية)

نيكولاس كيه. غفوسديف - ذي ناشنال إنترست 27/8/2013

ترجمة عبدالرحمن الحسيني

عقب الأزمة الأخيرة بشأن ما إذا كانت الحكومة السورية قد استخدمت الأسلحة الكيماوية أم لا، برز السيناريو القديم: ففيما خلصت الولايات المتحدة إلى أن مرتكب الجريمة هو على الأرجح حكومة بشار الأسد، تريد روسيا الانتظار إلى حين استكمال محققي بعثة الأمم المتحدة مهمتهم، وإن ألمحت بقوة إلى أنها تحمّل قوات المعارضة مسؤولية استخدام هذه الأسلحة التي استولت عليها من الترسانة الحكومية.
في الأثناء، تحث موسكو المجتمع الدولي على إتاحة المجال أمام استمرار عملية التحقيق الأممية؛ وهي عملية قد تستغرق أسابيع للخروج بنتيجة قطعية. ويعد المزيد من التأخير غير ذي جدوى سياسية بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الواقعة تحت سياط ضغط هائل من القوى السياسية المحلية، كما من الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط، لحملها على الاستجابة لتجاوز "الخط الأحمر" الذي حدده الرئيس.
نظرياً، أقرت الحكومة السورية بضرورة مهمة بعثة المحققين، والتي ستمضي غالبا على النحو الذي سارت عليه محاولات سابقة للتحقق من إدعاءات بشأن وقوع مذابح خلال فترة الحرب الأهلية المشتعلة منذ عامين ونصف العام، حيث تختلط الادعاءات من قبل المتقاتلين.
إلى ذلك، تبدو روسيا مستعدة للاستمرار في استخدام حق النقض "الفيتو" لمنع الولايات المتحدة من الحصول على تخويل من أي نوع لتنفيذ عمل عسكري. ومن المرجح أن تستمر موسكو في إلقاء اللائمة على الثوار وليس على قوات الأسد، إذا لم يتم التوصل إلى أي قرار قطعي على صعيد المسؤولية، وبالتالي عدم المصادقة على أي خطة أميركية لمعاقبة دمشق.
ومن ثم، فما لم تقرر موسكو القبول بأن ثمة حجة غير قابلة للدحض على أن الأسد هو المسؤول (عن استخدام السلاح الكيماوي)، فسيستمر الجمود الراهن، وسيكون خيار أميركا عندها استخدام حلف شمال الأطلسي "الناتو" لقصف سورية.
ومن الجدير بالملاحظة أن تدهور العلاقات الأميركية-الروسية منذ العام 2011، يلغي إلى حد كبير أي احتمالية للقيام بعملية مشتركة متعددة الأطراف لتأمين مخزون الأسلحة الخطيرة. كما أن موسكو لن ترى في أي اقتراح أميركي للقيام بعمل في سورية، سوى غطاء من أجل تغيير النظام، وذلك في ضوء اقتناع فلاديمير بوتين العميق بأن روسيا كانت قد خُدعت بخصوص النوايا الأميركية عندما سعت واشنطن إلى إعلان منطقة حظر طيران فوق ليبيا لخلق ملاذات آمنة للاجئين.
إذا أرادت واشنطن التصرف بشكل أكثر قوة تجاه سورية، فإن عليها القيام ذلك بدون الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. ولذلك، فلا غرابة أن ثمة تقارير عن أن إدارة أوباما تدرس على نحو يقظ وحذر السوابق التي كانت قد سجلت خلال تدخل "الناتو" في العام 1999 في يوغوسلافيا، في عملية نفذت بدون مباركة الأمم المتحدة.
وتماماً كما في العام 1999، وعلى المدى القصير، فإن قيام واشنطن بعمل عسكري رغم رفض موسكو لا يترك لهذه الأخيرة إلا القليل مما تستطيع فعله لمعارضة العمل الأميركي بشكل مباشر. ففي المحصلة، لا ترتبط سورية مع روسيا بمعاهدة دفاع مشترك، تُلزم موسكو باعتبار أي هجوم على سورية بمثابة هجوم على روسيا الاتحادية نفسها. وبإمكان روسيا بالطبع أن تعمد إلى إثارة كل أنواع الاعتراض الإجرائي أمام الأمم المتحدة، كما بإمكانها تقديم خطاب بليغ دفاعاً عن سورية، لكنها -وكما حدث خلال حرب كوسوفو- لن تفعل شيئاً بحيث تنخرط بنفسها مباشرة.
استناداً لذلك، ربما لا تحتاج إدارة أوباما إلى الأخذ بالحسبان عامل المجازفة بصدام أميركي-روسي مباشر حول سورية. مع أن القصف العرضي للسفارة الصينية في بلغراد، خلال حملة "الناتو" يوجب التذكير بضرورة الحذر الكبير الذي يجب أن يوليه المخططون العسكريون الأميركيون عند اختيار أهداف في سورية تنطوي على خطر قتل مدنيين أو مستشارين روس، ما قد يفضي إلى تداعيات سلبية جداً، ولو غير مقصودة.
على المدى الأطول، قد يكون السجل أكثر اختلاطاً. فمن جهة لدى روسيا عدة مبادرات مهمة لا تود اعتراضها. وتعد "شبكة التوزيع الشمالية" مربحة تماماً للشركات الروسية المنخرطة في نشاط الترانزيت. مع ذلك، فقد تقدم روسيا، على نحو ما فعلت باكستان، باعتراض مرور الإمدادات إلى أفغانستان لفترة مؤقتة، أو تضع قيوداً (من قبيل حظر حمولات البضائع العسكرية، أو اشتراط أن يتم كل النقل الذي يعود لحلف "الناتو" على متن ناقلات غير أميركية)، ما قد يؤثر على فعالية المهمة في أفغانستان. كما قد ترغب روسيا أيضاً في تحصين أي تعاون اقتصادي مع الشركات الأميركية في مواجهة تداعيات تضرر العلاقات السياسية. فعلى سبيل المثال، وفي الأسبوع الماضي، أعلنت شركة النفط الحكومية "روزنفت" عن خطط لبناء مصنع جديد، مع شركة إكسون-موبيل الأميركية، لمعالجة الغاز الطبيعي المسال. وهو ما يعد خطوة مهمة إذا كانت روسيا تأمل في كسب حصة أكبر من سوق الغاز، في منطقة المحيط الهادئ الآسيوية.
من جهة أخرى، قد تقرر روسيا الانسحاب من نظام العقوبات المفروضة على إيران بقيادة الولايات المتحدة، مقدمة بذلك حبل نجاة لإدارة الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني (الذي سيجتمع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني تشي جينبنغ في قيرغيزستان الشهر المقبل). وقد يقرر بوتين الاستمرار في لعب دور المفسد للخطط والاستراتيجيات الأميركية، بهدف رفع الكلف على الولايات المتحدة.
رغم ذلك، فقد تكون موسكو مستعدة، بشكل سري، للسماح  للولايات المتحدة بأن تجد نفسها متورطة في أزمة شرق أوسطية أخرى، وبما يؤدي -اعتماداً على الكيفية التي سيتم من خلالها معالجة أي ضربة على سورية- إلى جر الولايات المتحدة أسفل على المدى الطويل، لا للتعامل مع سورية فحسب، بل وإيران أيضاً. 
إن تركيزاً أميركياً جديداً على الشرق الأوسط من شأنه أن ينهي أي احتمال بأن تكون واشنطن قادرة على توفير الوقت والانتباه أو الموارد من أجل التركيز على محاولات روسيا إعادة دمج الفضاء السوفيتي السابق تحت القيادة الإقليمية لموسكو (وغني عن القول أن من شأن هذا التوجه أن ينهي على نحو فعال أي "تمحور على آسيا" في المستقبل المنظور). وفي ضوء التصريحات الأميركية الأخيرة بأنه في غياب أي قرار للأمم المتحدة فإنه يتوجب على الولايات المتحدة عدم التحرك وحدها، والسعي لضمان التزام حلفائها، فإن هذا يضع ضغطاً متجدداً على تماسك "الناتو" الذي ما يزال ينوء بعبء الضغط الناجم عن التعامل مع مهمة أفغانستان.
خلال العقد الماضي، كان شعار مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية بخصوص روسيا هو "التعاون الانتقائي"؛ بمعنى أن تسعى الولايات المتحدة إلى التعاون مع موسكو في تلك المناطق التي تفيد أكثر ما يكون المصالح الأميركية، لكن مع الاحتفاظ بحرية مواجهة الرغبات الروسية عندما يكون ذلك ضرورياً. لكن نظراً إلى افتقار أميركا لخيارات جيدة بشأن سورية -مع عدم توجه روسيا لمساعدة واشنطن- فقد تكون روسيا هي من سيمارس "الانتقاء" في المستقبل.

*محرر رفيع في المجلة، وهو أستاذ دكتور دراسات الأمن القومي في كلية الحرب البحرية الأميركية.
نشر هذا المقال تحت عنوان "Syria Intervention: Anticipating Russia's Response"

[email protected]

التعليق