الصراع على السلطة يقسم حزب أردوغان الحاكم

تم نشره في الثلاثاء 27 آب / أغسطس 2013. 03:00 صباحاً
  • متظاهرون معارضون لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يهربون بعيدا من مدافع الماء التي توجهها إليهم شرطة مكافحة الشغب التركية بداية الشهر الحالي - (رويترز)

حسنين كاظم وماكسميليان بوب - ديرشبيغل 2013/8/21

 ترجمة عبدالرحمن الحسيني 

قمع رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، المعارضة في الشارع. لكنه الآن أصبح يواجه عدوا أكثر تهديداً: متحدّوه من داخل حزبه، وحركة (فتح الله) "كولن" الغامضة، ما قد يؤدي إلى أفول الإسلام السياسي في تركيا على النحو الذي نعرفه.
 لم ينجح مئات آلاف المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع في اسطنبول في الإطاحة برئيس الوزراء، أو في الاستمرار في احتلال متنزه "غازي" في ميدان "تقسيم" في العاصمة التجارية لتركيا.
كانت الاحتجاجات ضد حكومة رئيس الوزراء التركي قد تفجرت أواخر أيار (مايو) الماضي بسبب خطط حكومية لتسوية المتنزه المذكور بالأرض. وإذ هدأت لاحقا، إلا أن آثار الانتفاضة قد تدوم إلى ما بعد الصيف الحالي.
لطالما امتنع أعضاء حزب "العدالة والتنمية" الحاكم ذي الاتجاه الإسلامي والمحافظ، كما امتنع مؤيدوه عن الإفصاح عن أي انتقاد. لكننا الآن نجد أتباع الحزب يقلبون ظهر المجن لرئيس الوزراء أردوغان، كما نرى منافسيه من داخل الحزب يستخدمون القلاقل التي أعقبت أزمة متنزه "غازي" للنأي بأنفسهم عنه.
وفي مقال له في النسخة الإنجليزية من صحيفة "زمان" اليومية الموالية للحكومة، قدم الكاتب يافوز بيدر مؤخراً مقارنة بين تركيا تحت حكم أردوغان وبين الولايات المتحدة خلال الحقبة المكارثية. في الأثناء، وبالمثل، تحذر مؤسسة "الصحفيين والكتاب" ذات الاتجاه الإسلامي المحافظ أيضا، من أن التطورات الراهنة في تركيا تحجب أي محاولات للمضي بالبلد نحو مزيد من الديمقراطية.
ولعل أكثر ما يصدم في هذا الانتقاد هو مصدره. فصحيفة زمان، ومؤسسة الصحفيين والكتاب، تنتميان للحركة التي تدور حول الواعظ التركي فتح الله كولن الذي يُعتقد أنه يتمتع بنفوذ ضخم داخل الحكومة.
وما يزال كولن يعيش، منذ سنوات، في المنفى الاختياري في الولايات المتحدة، بعد مغادرته تركيا في أعقاب اتهامه من قبل مدّعين عامين بالعمل على إشعال ثورة إسلامية. وتجدر الإشارة إلى أن أتباع الإمام قد أسسوا مدارس في 140 بلداً، بالإضافة إلى بنك ومؤسسات إعلامية ومستشفيات. يقدم أتباع كولن أنفسهم خارجياً على أنهم ينتمون إلى العصر الحديث. وفي الأثناء، تنمو أعدادهم في تركيا. إذ تمتدح العائلات الفقيرة التزام كولن بالتعليم، كما يثني رجال الأعمال على طريقته الودودة في إدارة الأعمال. لكن أفرادا تركوا الحركة تحدثوا لـ"دير شبيغل" عن غسل أدمغة، وهياكل أشبه بالبناء الطائفي داخل هذه الحركة.
وفي برقيات إلى وزارة الخارجية الأميركية نشرها موقع "ويكيليكس"، وصف دبلوماسيون أميركيون، في العام 2004، أتباع كولن بأنهم "أكثر المجموعات التركية الإسلامية قوة، وأنهم مبعث خشية لدى المؤسسات المحورية للدولة التركية"، وأنهم "يسيطرون على الأعمال الرئيسة والتجارة وأعمال النشر. وهم متغلغلون بشكل عميق في المشهد السياسي، بما في ذلك ضمن المستويات العليا لحزب العدالة والتنمية".
"العدالة والتنمية" كمكان التقاء لمجموعات واسعة التنوع
يؤدي حزب العدالة والتنمية دور مكان التقاء طائفة من المجموعات. فبالإضافة إلى مجموعات صغيرة، يضم الحزب كلاً من داعمي أردوغان وأتباع حركة كولن. وفي أعقاب الفوز الانتخابي الذي حققه "العدالة والتنمية" في العام 2002، دخل المعسكران في شراكة استراتيجية، بحيث يؤمّن كولن الأصوات للحزب، فيما يؤمن أردوغان الحماية لأتباع الإمام.
مع ذلك، فقد بدأ التحالف في الأشهر الأخيرة بالتفتت. إذ أقال أردوغان مسؤولين مهمين في النظام القضائي، كما أعفى ناشطين في الحزب، يعتقد بعلاقتهم الوثيقة بكولن، من مناصبهم. وفي الحقيقة، يبدو أن الحركة تزداد نفوذاً إلى درجة تتجاوز ما يحبه أردوغان. والآن، وفي أعقاب انتفاضة متنزه "غازي"، خرج الصراع على السلطة إلى العلن.
في الأثناء، يستهدف معسكر أردوغان، وبشكل ممنهج، مصالح الأعمال المقربة من كولن. وتصف صحيفة "زمان" ذلك بأنه "حملة تشويه ممنهجة". وفي بيان لها، قالت الصحيفة: "الآن، من المحزن أن نلاحظ انتقاداً فظاً وعدائياً يخرج عن مجموعات نعتبرها من الأصدقاء". في المقابل، نشرت مؤسسة الصحفيين والكتاب بياناً الأسبوع الماضي، حاولت من خلاله تفنيد الاتهامات الموجهة لأردوغان.
ينطوي هذا الصراع داخل "العدالة والتنمية" على خطورة أكبر بالنسبة لأردوغان من تلك التي انطوت عليها المظاهرات في الشارع. وقد يعني انشقاق داخل الحزب نهاية الإسلام السياسي في تركيا. وفي هذه الحالة، لا تلعب الاختلافات الأيديولوجية إلا دوراً ثانوياً؛ إذ يبدي مؤيدو كولن اهتماماً بالمناصب والمزايا. ويقول مصطفى سن، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشرق الأوسط التقنية المرموقة في أنقرة: إن شبكة كولن تستخدم "تعبير عصرية، مثل الحوار والتسامح. لكن التنظيم يتبع، في واقع الحال، نظاماً صارماً للغاية، وهرمياً".
وكان أحمد شيك، وهو واحد من أكثر صحفيي تركيا شهرة، قد خطط لنشر كتاب في ربيع العام 2011 عن السلطة الخطيرة التي تنطوي عليها حركة كولن. لكن قبل وقت قصير من قيامه بذلك، داهمت قوات أمنية دار النشر التي تعود له، وصادرت مخطوطات الكتاب الذي حمل عنوان "جيش الإمام". ويواجه المؤلف الآن تهمة العضوية في تنظيم إرهابي يحاول الإطاحة بحكومة أردوغان.
حكومة "عدالة وتنمية" جديدة.. بدون أردوغان
يقول شيك: "صحيح أن حركة كولن ملتزمة بالتعليم. لكن لماذا تريد هذه الشبكة السيطرة على البلد؟ ولماذا تهيمن على النظام القضائي وعلى القوات المسلحة وجهاز الاستخبارات؟ ولماذا لا يريد هذا التنظيم القوي كشف النقاب عن موارده المالية؟"، مشيرا إلى أنه غير مقتنع ببراءة الشبكة.
ويضيف: "تكمن الحقيقة في أن التنظيم يستهدف الاستيلاء على السلطة؛ لا عبر الانتخابات، وإنما من خلال التسلل إلى المؤسسات". وهو يتشكك من أن يكون هدف الحركة رؤية حكومة "عدالة وتنمية" جديدة، لكن بدون أردوغان. ومن الممكن أن يكون القائد الجديد في هذه الحكومة هو الرئيس التركي الحالي عبدالله غل، الذي يعد عضواً في جناح كولن، والمنافس الرئيس لأردوغان من داخل الحزب.
إلى ذلك، يعتبر هاكان يافوز، استاذ العلوم السياسية في جامعة يوتاه،  أن الحركة "لن يوقفها شيء في صراعها لأجل أن تصبح سلطة مهيمنة"، مضيفاً "إنها ترهب الشعب". من جهته، يوقن غاريث جنكينز، المتخصص في تركيا في معهد آسيا الوسطى والقوقاز، بأن التحقيقات المتعلقة بخصوص منظمة "أرغنكون"، والتي أفضت إلى إصدار أحكام قاسية بحق متهمين بالمشاركة فيها، إنما خضعت (التحقيقات)، في جزء ضخم منها، لإشراف مؤيدي كولن داخل مؤسستي القضاء والأمن.
تبعاً لذلك، تعتقد قلة من المراقبين أن ساسة بارزين مقربين من كولن يستطيعون فعلاً تقديم بديل ديمقراطي لأردوغان. ويقول الصحفي شيك: "إنهم يريدون السيطرة على الحكومة، ولا يريدون أن يكونوا في صفوف المعارضة".
عقب احتجاجات دولية ضخمة، أُفرج عن شيك، لكن محاكمته ما تزال مستمرة، وهو يتوقع الحكم بإدانته. ويقول: "لقد قدم النظام القضائي نفسه باعتباره متشدداً في التعامل مع كل المنتقدين والمتظاهرين والمتآمرين المفترضين... فلماذا يستثنوني؟".
نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Dangerous Friends: Power Struggle Splits Turkish Ruling Party

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق