رمضان شهر العتق من النار

تم نشره في الخميس 1 آب / أغسطس 2013. 02:00 صباحاً
  • ينبغي لمن يرجو العتق من النار في شهر رمضان أن يكثر من الاستغفار وسؤال الله الجنة - (أرشيفية)

إعداد:  محمود قدوم
يعد شهررمضان فرصة من أفضل الفرص التي تأتي في العام حتى يختبر المؤمن ايمانه، ففي كل فريضةٍ من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم وعقله وإرادته، غيرَ أن الصيامَ أصعبها امتحاناً؛ لأن هذا الشهر يعد جامعا لمعاني التقوى، وفيه من الخيرات التي لا بد ان يغتنمها المؤمنون ما لا يوجد في غيره، ففي هذا الشهر تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين. قال النبي صلى الله عليه وسلم:”الصِّيَامُ جُنَّةٌ” أي وقاية، ففي الصومِ وقايةٌ من المأثم، ووقايةٌ من الوقوع في عذاب الآخرة.
ولا يتوهم المسلمُ أن حقيقةَ الصومِ إمساكٌ عن بعض الشهوات في النهار ثم يعقبه انهماكٌ في جميع الشهوات في الليل؛ فما يترتب على مثل هذا الصوم إجاعةُ البطنِ، وإظماءُ الكبدِ، وفتورُ الأعضاءِ، وبذاءة ُ اللسانِ، وسرعةُ الانفعالِ، واتخاذُ الصومِ مسوغاً فيما لا يُحَبُّ من الجهر بالسيئ من القول، وعذراً في اللجوء الى الخصام والأيمان والفاجرة.
وهذا يختلف عن مراد الصوم الذي أراده الله سبحانه وتعالى في شهر رمضان، فإنَّ الصومَ لا تَتِمُّ حقيقتُه، ولا تظهر حِكَمُهُ، ولا آثاره إلا بالانقطاع عن جميع الشهوات الموزعةِ على الجوارح؛ فللأذن شهواتٌ في الاستماع، وللعين شهوات من مدِّ النظر، وللِّسان شهواتٌ في الغيبة والنميمة والكذب واللغو.
ولكل عبادة في الإسلام تُؤدَّى على وجهِها المشروعِ، أو بمعناها الحقيقي آثارٌ في النفوس، تختلف باختلاف العابدين في صدق التوجه، واستجماع الخواطر، واستحضار العلاقة بالله سبحانه وتعالى، والعباداتُ إذا لم تعطِ آثارَها في أعمالِ الإنسان الظاهرة فهي عبادة تمت على غير معناها الذي قصده الله سبحانه وتعالى.
ولما كانت المغفرة والعتق من النار كل منهما مرتبًا على صيام رمضان وقيامه، أمر الله سبحانه وتعالى عند إكمال العدة بتكبيره وشكره، فقال تعالى:”ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون» [البقرة: 185]، فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقهم من النار، أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته.
وينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب ذلك، وهي متيسرة في هذا الشهر، فقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان المؤمنين بقوله:» فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار. وأما اللتان لا غناء لكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار». فهذه الخصال الأربعة المذكورة في هذا الحديث كل منها سبب للعتق والمغفرة.
فأما كلمة التوحيد  فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محواً، ولا تبقي ذنبا، ولا يسبقها عمل، وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار. وأما كلمة الاستغفار فمن أعظم أسباب المغفرة، فإن الاستغفار دعاء بالمغفرة، ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره، وأنفع الاستغفار ما قُرن بالتوبة، فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود. وأما سؤال الجنة والاستعاذة من النار فمن أهم الدعاء الذي يتوجه به الانسان المؤمن الى الله سبحانه وتعالى في هذا الثلث الأخير المبارك من الشهر الفضيل.
ومن أعظم ما ميّز الله به شهر رمضان المبارك؛ تصفيد الشياطين فيه، وإراحة الخلق من شرِّهم وضُرِّهم، وترك الفرصة متاحة لمن أسرف على نفسه بالذنوب أن يتوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين».
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، و تغلق فيه أبواب الجحيم، و تغل فيه مردة الشياطين، و فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم». ‌
كذلك ورد في الحديث النبوي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:»إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، و ينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة».
لذلك كله يعد شهر رمضان فرصة عظيمة لكل مذنب،لكن مما يسيء لهذا الفضل العظيم في شهر رمضان،  جرأة بعض الناس في انتهاك حرمة الشهر المبارك بارتكاب المعاصي والذنوب، بل ان بعضهم يتجرأ على ارتكاب الكبائر في نهار رمضان.
وقد يتساءل البعض: ما معنى تصفيد الشياطين وهناك نفر ما يزالون في ظلمات الذنوب والمعاصي؟
ولعل الاجابة عن هذا التساؤل تتجلى في رؤية أعداد المصلين الكبيرة الذين يقبلون على المساجد بعد انقطاع، كذلك الاقبال على قراءة القرآن الكريم بعد هجر، وأيضاً تحقق معنى التكافل الاجتماعي في أقوى مظاهره، ومرد هذا كله تصفيد الشياطين في الشهر الفضيل.
أما ما يظهر من جرأة على ارتكاب المعاصي في نهار رمضان مع ورود الحديث النبوي فلعل السبب يكون:
1- أن الشياطين لا تنعدم في رمضان ولكنها تقل قواها وسوستها.
2-وربما أن المراد بالتصفيد والسلسلة إنما هي للمردة ورؤوس الشياطين، دونما من دونهم، فيفعل الصغار ما عجز عن بعضه الكبار، وقيل العكس، فالمّصفد الصغار، والمحرر كبيرهم وزعيم مكرهم وكيدهم لأن الله أجاب دعوته بأن ينظره إلى يوم يبعثون قال تعالى:» قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ [الأعراف: 15-14]
3- ولعل المراد من الحديث النبوي الشريف أن الصيام يستلزم الجوع، وضعف القوى في العروق وهي مجاري الشيطان في الأبدان، فيضعف تحركهم في البدن كأنهم مسلسلون مصفَّدون، لا يستطيعون حراكاً إلا بعسر وصعوبة، فلا يبقى للشيطان على الإنسان سلطان.
4- وربما أن المراد أن الشياطين إنما تُغل عن الصائمين المعظمين لصيامهم، والقائمين به على وجه الكمال، والمحققين لشروطه ولوازمه وآدابه وأخلاقه، أما من صام بطنه ولم تصم جوارحه ولم يأت بآداب الصيام على وجه التمام، فليس ذلك بأهل لتصفيد الشياطين عنه.
5- وربما أن المقصود من الحديث أن الشياطين يصفدون على وجه الحقيقة، ويقيّدون بالسلاسل والأغلال، فلا يوسوسون للصائم، ولا يؤثرون عليه، والمعاصي إنما تأتيه من غيرهم كالنفس الأمارة بالسوء.
لهذا كلّه لا بد أن يتوجّه الإنسان إلى الله وحده بالعبادة، مخلصا قي ذلك حتى تتحقّق غايات الصوم النبيلة التي تهدف إلى تربية مكارم الأخلاقِ، ومحاسن الأعمالِ في نفس الصائم، فيبعثها إلى بر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى الأهل والجيران، ورعاية الأمانة، والإخلاص في العمل، والتخلص من المداهنة والرياء والنفاق.

التعليق