مصر: حان وقت التراجع

تم نشره في الأربعاء 31 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً

افتتاحية – (الغارديان) 28/7/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يصبح المأزق المصري الذي فرضه تدخل الجيش في السياسة اليومية أكثر خطورة باطراد. وفي كل مرة تطلق فيها قوات الأمن النار على المحتجين، تصبح مهمتها الأصلية المتمثلة في إعادة النظام واستعادة السلام الاجتماعي أقل مصداقية. إنك لا تستطيع التقدم نحو الشرعية على أجساد الشهداء. وحتى لو اتضح أنه بولغ في تقدير ضحايا أعمال العنف في نهاية هذا الأسبوع الماضي أو أن معظمهم لم يكونوا نتيجة إطلاق النار مقصود مباشر، فإن الضحايا سوف يعتبرون شهداء، بل انه ينظر إليهم كذلك فعلاً. ثمة عملية مألوفة قاتلة تنتظرنا في الأمام، والتي تنتج الاحتجاجات فيها الشهداء، والشهداء ينتجون الاحتجاجات بدورهم، وهكذا، في تصعيد لا نهاية له، إلا إذا أمكن وقف ذلك – ويجب وقفه في حقيقة الأمر.
ولم يكن جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، يفصح عن أكثر من الواضح عندما دعا يوم السبت إلى الحوار في مصر. لكن صيغته المعلنة، على الأقل، تجنبت تلك الحقيقة الصعبة القائلة بأن على الجيش أن يتراجع إذا أريد بدء حوار هادف وذي معنى. وسوف يتوجب على جماعة الإخوان المسلمين أيضاً إعادة النظر في موقفها إذا ما أريد أن تكون هناك أي فرصة لعودة الحياة الطبيعية في مصر، لكن الجيش هو الذي يجب أن يتخذ الخطوات الأولى. ومنذ نظم الفريق عبد الفتاح السيسي الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي من السلطة، أصبح من الواضح، من دون قول ذلك بالضبط، أنه يريد وضع جماعة الإخوان في دور العدو، أو على الأقل تقديمهم كقوة سياسية ينبغي استبعادها إلى أجل غير مسمى.
الخطاب الذي طلب فيه السيسي من الشعب المصري الخروج إلى الشوارع يوم الجمعة الماضي بالآلاف من أجل منحه تفويضاً ضد العنف والإرهاب، تمكن قراءته بالتأكيد على أنه محاولة لربط هذه الأوصاف والتسميات بجماعة الإخوان. ولو أنه لم يقصد خلق ذلك الانطباع لكان قد أوضح أنه لا يتهم الحركة بهذه الخطايا، ولما كان قد تابع تأكيداته على أنه تم تهريب أسلحة وبزات عسكرية إلى داخل البلد. من الذي هربها؟ متى؟ ولأي أسباب؟
أما الأمر الذي يجب أن يعمق هذه المخاوف، فهو محاولة تجريم مرسي. وتنشأ التهم الموجهة إليه من المساعدة التي ربما تكون حماس قد قدمتها في تنظيم عمليات هروب من السجن، والتي حررت سجناء الإخوان، بما في ذلك مرسي نفسه، في الأشهر الأخيرة من حكم مبارك. ويحتمل ان يكون هذا قد حدث فعلاً، ويمكن أن يُستخدم بالتالي –في حالة تفسير ضارّ للقانون المصري- لوضع مرسي أمام المحكمة بتهم القتل والتجسس. أما كيف يمكن تفسير مقاومة ديكتاتور وقوات الأمن التي كان ينشرها ضد المتظاهرين، مع بعض المساعدة من الخارج، بهذه الطريقة، فأمر تصعب رؤيته. وكان يمكن ليد أكثر حكمة من السيسي أن توقف هذه العملية. أما "التهم" الأخرى، مثل "التخريب الاقتصادي" وما شابه ذلك، فهي سخيفة ومثيرة للسخرية. إن الأخطاء السياسية لا تُعتبر جرائم في بلد متحضر. وفي واقع الأمر، إذا كان هناك تخريب من هذا النوع، فثمة بعض الأدلة على أن القوى المناهضة لمرسي كانت هي الأطراف المذنبة.
تمثل طموحات الجنرال الخاصة بنفسه مشكلة أخرى. وقد بدأ في تبني لهجة خاصة من الحميمية، من تلك التي يستخدمها القائد عادة في النقاش العميق مع شعبه، وهو ما يشير إلى أنه يرى نفسه ضمن خط نسب منحدر من جمال عبد الناصر. وقال في خطابه أنه كان قد أبلغ مرسي بأن "مشروعه لم يكن يعمل" منذ ستة أشهر. أين بالضبط كُتِب في الوصف الوظيفي لهذا الجندي أنه يمكن أن يبلغ رئيساً منتخباً بما يجب أن يفعل؟ تقدم المشورة، نعم؛ تقترح، ربما، أما أن "تبلغ"؟
يشكل شعور الجيش المصري الغامر بالغطرسة والأحقية عنصراً من عناصر الأمراض السياسية في البلاد. إن جيشاً لم يشهد القتال على مدى جيل، ولا يواجه تحدياً خطيراً من أعداء خارجيين، يقوم مع ذلك بامتصاص موارد ضخمة ويتمتع بامتيازات واضحة، وينتحل لنفسه حقوقاً سياسية خاصة. ينبغي أن تكون مصر بصدد الحدّ من نفوذ الجيش، وليس تعزيزه. ولكن، في المستقبل القريب، سوف تكون قرارات الجيش، وما قد يشكلون الآن حلفاءه المدنيين المتوترين، عاملاً بالغ الأهمية والحسم. يجب أن يطلقوا سراح قادة الإخوان، وأن يعثروا على صيغة لإعادة تأهيل مرسي، وعلى إطار للمحادثات يمكن أن تقبل به جماعة الإخوان المسلمين. وبغير ذلك، سيكون هناك المزيد من الدماء التي تسيل قريباً على الأرصفة في القاهرة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Egypt: time to back down

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق