الحرب على الإرهاب.. بداية النهاية

تم نشره في الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً
  • حارسان أميركيان يقودان معتقلاً في سجن غوانتانامو - (أرشيفية)

تقرير خاص - (الايكونوميست) 23/5/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في بعض الأحيان، يمكن أن تكون مقاطعة الخطيب أفضل صديق للسياسي. وبينما كان يدلي بكامل تفاصيل سياسته المحاربة للإرهاب لبعض الأعوام أمام جامعة الدفاع القومي يوم 23 أيار (مايو)، قاطعت الرئيس باراك أوباما عدة مرات وبصوت عال سيدة محتجة، طالبت بالإغلاق الفوري لمعسكر الاعتقال في خليج غوانتنامو، وباحترام أكبر لحكم القانون.
وقدم المقاطعة السيد أوباما، الذي كان خطابه حتى ذلك الوقت يبدو مثل مخاطبة لرجل من القش -لمواطن خيالي ما صاحب وعي قليل، والذي يريد طمأنته أن أميركا كانت محقة في استهداف الإرهابيين بضربات قاتلة من طائرات بلا طيار في باكستان واليمن، ويحتاج إلى التذكير بأن إغلاق غوانتانامو ليس بتلك السهولة، أو تقديم مشتبهي الإرهاب أمام المحاكم الأميركية في الوطن.
صحيح أن المؤيدين اليساريين للرئيس انزعجوا من استخدامه الطائرات المسلحة من دون طيار، ويكرهون فكرة قيام الحراس والاطباء الأميركيين بتغذية أكثر من 100 معتقل مضرب عن الطعام في غوانتنامو بالقوة. لكن معظم المواطنين الأميركيين الاعتياديين يقولون لمستطلعي آراء الناخبين الأميركيين إنهم يقرون بالكامل قتل الإرهابيين المشتبه فيهم بضربات عن بعد في الأراضي السيئة في افغانستان أو باكستان أو اليمن. وقد جاءت معظم الانتقادات السياسية القوية الموجهة لسلوك الرئيس في الحرب على الإرهاب حتى الآن من اليمين.
يحب الجمهوريون تصوير السيد أوباما وحكومته على أنهم ناعمون في تعاملهم مع المتطرفين الاسلاميين. وكان الأحدث في هذا الاتجاه هو إدانتهم المدعي العام (وزير العدل)، آييك هولدر، بسبب السماح بقراءة الحقوق القانونية والمدنية على مفجر بوسطن الذي بقي حياً. ومن وجهة نظر عدد من المحافظين في الكونغرس، كان يفترض الزج بجوهر تسارناييف في الليمبو القانوني لغوانتنامو واستجوابه، من دون أي هراء من قبيل وجود المحامين والحق في البقاء صامتا.
وكان السيد أوباما قد تولى الرئاسة في العام 2008 متعهدا بإغلاق معتقل غوانتنامو بسرعة، وإعادة العديد من المعتقلين إلى أوطانهم وتقديم آخرين، بمن فيهم قادة القاعدة والمشتبه بهم رفيعو المستوى أمام محاكم فدرالية على الأرض الأميركية الأم، بدلاً من مثولهم أمام محاكم عسكرية في الليمبو الدولي للقاعدة البحرية الأميركية في كوبا.
وكان الرئيس قد وقع على أمر بذلك فعلاً في العام 2009، لكن ذلك الجهد عانى من حرمانه من التمويل من جانب الجمهوريين في الكونغرس، والذين انضم إليهم العشرات من الديمقراطيين الخائفين من أن يُنظر إليهم على أنهم متساهلون إزاء الأمن. وفي النهاية، مرر الكونغرس قانوناً يحظر تحويل أي من المعتقلين في غوانتانامو إلى أميركا، حتى من أجل المحاكمة.
وفي خطابه الأخير، أقر السيد أوباما بأن غوانتنامو يظل مشكلة كأداء، نظراً لأنه يضم معتقلين "معروفين" بأنهم شاركوا في هجمات إرهابية، لكنها لا تمكن ملاحقتهم في محاكم مدنية بسبب الافتقار إلى حجة دامغة. وفيما ينطوي على الجدية أكثر مما ينطوي على الجوهر، دعا الرئيس الكونغرس مرة أخرى إلى رفع القيود عن نقل المعتقلين من "غيتمو" (كما وصف المعسكر مستخدما مختصرا عسكريا)، وتعهد بالسعي للعثور على موقع في أميركا لعقد اللجان العسكرية. وفي الوقت ذاته، قال الرئيس إنه سيرفع حظره الخاص على إرسال المعتقلين إلى اليمن.
في خطابه، توقف الرئيس عدة مرات ليسمح للسيدة الوحيدة التي قاطعته، والتي تنتمي للحركة المعادية للحر "Code Pink"، بهدف توبيخه وشجب سياساته بالإشارة إلى أن الوضع في خليج غوانتنامو غير مستدام ولا أميركي. وتساءلت المرأة: "انظر إلى الوضع الحالي، حيث نغذي المعتقلين الذين ينفذون اضرابا عن الطعام بالقوة. هل ذلك هو ما نمثله؟ وهل هو ما استشرفه آباؤنا المؤسسون؟".
وغطى الجزء الأكثر دسماً من الخطاب أدوات الحرب والقوة المسيطر عليها عن بعد، والتي ما تزال من صلاحية الرئيس، بدءا من ضربات الطائرات المسلحة من دون طيار، والتي قتل بواسطتها السيد أوباما العشرات من الإرهابيين المشكوك فيهم. ويضم هؤلاء القتلى أربعة مواطنين أميركيين، وهو رقم كُشف عنه بالكامل عشية خطاب الرئيس.
لم يكن دفاعه عن هذه الضربات يستهدف الجمهور الأميركي في الحقيقة. لكنه كان يستهدف ائتلاف المنتقدين الفضوليين الذين يتهمونه بقتل الإرهابيين الذين سيكون من الأنسب إلقاء القبض عليهم أحياء. وهو ائتلاف مكون من ديمقراطيين من اليسار وساسة أجانب وجمهوريين من اليمين ممن يميلون إلى إيجاد طرق لمهاجمة الرئيس الذي يبغضونه.
دافع الرئيس عن ضربات الطائرات من دون طيار باعتبار أنها أكثر دقة من الهجمات التقليدية من الجو، وأقل خطراً من العمليات التي تنخرط فيها "قوات أميركية على الأرض". وقال: "إن الغارة التي نفذتها القوات الخاصة في باكستان والتي قتلت اسامة بن لادن" لا يمكن أن تكون قاعدة العمل؟ كانت المخاطر كبيرة، مع جرعة صحية من الحظ التي ساعدت في منع وقوع إصابات مدنية أو اشتباك ناري مطوّل.
بالرغم من أن الضربات من الطائرات من دون طيار كانت قانونية وأنقذت أرواحاً، فقد أعلن السيد أوباما أنه كان قد وقع على اطار عمل جديد لخطوط الارشاد والاشراف والمسؤولية، والتي تتحكم في استخدام القوة ضد الإرهاب. وبينما وصف وفيات المتفرجين المدنيين جراء ضربات الطائرات من دون طيار بأنها "مآس تفطر القلب"، تعهد الرئيس بأن يقتصر استخدام ضربات الطائرات من دون طيار على الحالات التي يكون من المستحيل فيها إلقاء القبض على الإرهابيين المشكوك فيهم، وعندما يشكل الإرهابيون "تهديدا مستمرا وكبيرا على الشعب الأميركي"، وعندما لا تكون هناك أي حكومة أخرى قادرة على معالجة ذلك التهديد بشكل فعال، وعندما يكون هناك "شبه تأكيد" بأنه لن يكون هناك أي مدني يقتل أو يجرح.
وفي تذكرة بأن اغلبية الجمهور الأميركي يتبنى وجهة نظر ضيقة أساساً تجاه الطائرات من دون طيار، وجد السيد أوباما وقتا ايضا لمخاطبة القلق المرضي لدى مثل هؤلاء الشيوخ الجمهوريين، مثل راند بول وتيد كروز، من أن الحكومة قد تعمد إلى إرسال طائرات مسلحة بلا طيار لتجوب السماوات فوق أميركا وتقتل الأميركيين المشكوك بأنهم إرهابيون من دون محاكمة. وقال السيد أوباما إنه لا يعتقد، للتاريخ، بأنه سيكون دستورياً أن تستهدف الحكومة وتقتل أي مواطن أميركي، سواء بواسطة طائرة من دون طيار أو بطلقة نارية -من دون اتباع أصول العملية القانونية.
لكنه دافع عن قتل أنور العولقي، متهما إياه بالتخطيط لنسف طائرات. وقال أنه عندما يذهب أميركي إلى الخارج من أجل شن حرب ضد أميركا ولا يكون بالامكان إلقاء القبض عليه قبل تنفيذ المخطط، فعندها يجب أن لا توفر له مواطنيته درعا أكثر مما توفره لقناص يطلق النار على حشد من الناس من تدخل رجال الشرطة..
كانت نبرة الرئيس تدريسية اكثر منها طنانة منمقة. وبدا مثل الرجل الذي أصبح عليه: أستاذ سابق في القانون الدستوري ذو غرائز ليبرالية، والذي تحول إلى قائد عام للقوات المسلحة لقوة عظمى تتوق إلى كسب الاحترام الكوني، لكنه يجب أن يبقى متيقظاً ضد أولئك الذين يكرهونها ويبيتون لها نوايا إجرامية.
بعد أكثر من عقد من خوض حرب ضروس، وصف الرئيس عالماً يتسم بتوزع أكبر للقوة، وتهديدات محلية من جانب تابعين للقاعدة ومتطرفين في شبكات اقليمية فضفاضة أو أشخاص تحولوا إلى راديكاليين، بمن فيهم مواطنون أميركيون أو مواطنون شرعيون موجودون اصلا في البلد. وقال إن مدى التهديد تمثل في المخاطر التي أحدقت بأميركا قبل هجمات 11 ايلول (سبتمبر) على نيويورك وواشنطن العاصمة.
تكمن الرسالة الواقعية لخطاب الرئيس في أن الحرب الكونية على الإرهاب، التي كانت قد بدأت في يوم مشمس في أيلول (سبتمبر) من العام 2001 في خضم رعب الهجوم المفاجئ يجب أن تنتهي وستنتهي. وأقر صراحة بوجود صداع قانوني وسياسي يقلق بالسر مستشاريه - السلطة القانونية الرثة التي تكمن وراء الحرب على الإرهاب، والتي تعود وراء إلى بعض مصطلحات سلطة صناعة الحرب التي مررها الكونغرس بعد أيام وحسب من أحداث 11 ايلول (سبتمبر).
قال الرئيس أوباما إن سلطة صناعة يجب أن تصفى ثم تُلغى في نهاية المطاف. وأشار إلى أن القتال ضد الإرهاب يجب أن يبتعد عن طبيعة الصراع المسلح، ويقترب أكثر من جهد متواصل لتفكيك المجموعات الإرهابية. وتعهد بعدم التوقيع على أي قانون يمدد تفويض العام 2001 اكثر. وقال: "هذه الحرب يجب أنت تنتهي، مثل كل الحروب. هذا ما ينصح به التاريخ. وهذا ما تتطلبه ديمقراطيتنا".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
The war on terror: The beginning of the end

[email protected]

التعليق