عقدة شمشون الإسرائيلية وعقيدة رفض السلام

تم نشره في الجمعة 17 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - (أرشيفية)

جوناثان كوك (ميدل إيست أونلاين) 10/5/2013
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
تلوثت بشدة سمعة واشنطن "كوسيط نزيه" في الصراع العربي الإسرائيلي الآن، بعد أربعة أعوام من احتمال تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتمس حاجة إدارة الرئيس أوباما بشدة إلى إعادة إحياء عملية سلام معقولة.
وبينما يجد نفسه في مواجهة الجمود الدبلوماسي السائد بين إسرائيل وسلطة محمود عباس الفلسطينية، انتهز وزير الخارجية الأميركية جون كيري، الفرصة مؤخراً وحصل من جامعة الدول العربية على موافقة على نفض الغبار عن خطة إقليمية عمرها عقد: مبادرة السلام العربية، وأعلن أن هذه المسألة هي "خطوة كبيرة جداً إلى الامام".
وتتعهد الخطة التي كانت أطلقتها المملكة العربية السعودية في العام 2002 لإسرائيل بإقامة علاقات طبيعية مع كامل العالم العربي في مقابل قبولها بقيام دولة فلسطينية استنادا إلى حدود ما قبل العام 1967، أو على مساحة 22 في المائة من فلسطين التاريخية.
لكن الإيماءة العربية الجديدة، مثل سابقتها، أثارت بالكاد نزراً يسيراً من اهتمام إسرائيل. ولم تفوت تسيبي ليفني، حليف واشنطن الوحيد في مجلس وزراء نتنياهو، أي وقت لامتداح الخطة والثناء عليها، لكن رئيس الوزراء نفسه تجنب ذكر المبادرة العربية الجديدة بإصرار، تاركاً لمستشاريه أمر رفض المبادرة ووصفها بأنها "خدعة" تستهدف جر إسرائيل إلى الوقوع في شرك مباحثات سلام مؤذية.
ويقدم رده المنحرف تذكيراً بواحدة من أكثر أساطير الصراع ديمومة. فقد كانت إسرائيل، حتى قبل احتلالها الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة في العام 1967، تعرض نفسها على أنها تواقة إلى الحصول على القبول من جانب الدول العربية. وتستند هذه الرواية التي تستمر في تشكيل المفاهيم الغربية، إلى عمودين.
الأول يفترض وجود حماسة إسرائيلية للانخراط دبلوماسياً مع العالم العربي. أو كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه موشي ديان لهيئة الاذاعة البريطانية بعد أيام من انتهاء حرب الأيام الستة: "اننا ننتظر مكالمة العرب الهاتفية".
والعمود الثاني، الذي أعلنه أوضح ما يكون أبا إيبان، عندما كان وزيراً للخارجية الإسرائيلية في أوائل السبعينيات، ينتقد العرب بقسوة لأنهم "لا يفوتون فرصة لتفويت الفرصة" لصنع سلام مع إسرائيل.
ومع ذلك، فإن السجل التاريخي يشي بالعكس تماماً. فبعد إذلالها في العام 1967، تنازلت الدول العربية بسرعة –في الغرف الخلفية على الأقل- عندما قالت إن إسرائيل وجدت لتبقى، وشرعت في دراسة السبل لاستيعابها.
وكما لاحظ شلومو بن عامي، المؤرخ الإسرائيلي الذي كان وزيراً للخارجية خلال مفاوضات السلام في كامب ديفيد في العام 2000: "عندما اتصلت الدول العربية، كان خط إسرائيل مشغولاً، أو أنه لم يكن هناك أحد ليلتقط الهاتف على الجانب الإسرائيلي".
وقد تأكد هذا العناد من خلال كشف موقع ويكيليكس في الشهر الماضي لبرقيات دبلوماسية أميركية سرية من تلك الفترة. ففي أواخر العام 1973 ، وبعد أسابيع قليلة من انتهاء حرب يوم الغفران، عرضت جامعة الدول العربية بهدوء على إسرائيل إبرام اتفاقية سلام إقليمية تعترف بحدودها لما قبل العام 1967، لكن مبادرة الدول العربية ووجهت بالرض.
ووفق برقية تعود لشهر كانون الثاني (يناير) من العام 1975، فقد خلص الدبلوماسيون الأميركيون في الشرق الاوسط إلى استنتاج مؤداه أن قادة إسرائيل أظهروا "افتقاراً استثنائياً لتفهم" نوايا العرب، مفضلين بدلاً من ذلك تهيئة أنفسهم استعداداً للحروب الإسرائيلية العربية الخامسة والسادسة والسابعة. وتصف البرقيات إسرائيل بأنها مصممة على تدمير نفسها التي تعاني، وفق كلمات المسؤولين الأميركيين، من "عقدة مسعدة -أو شمشمون".
ويجب أن يبقى هذا السياق ماثلاً في البال، نظراً لأن معارضة إسرائيل الحالية لمفاوضات السلام تعزى فقط إلى صقرية حكومة نتنياهو وحدها. لكن ذلك في الحقيقة نمط سلوكي دأبت عليه إسرائيل طيلة عدة عقود، أو ما وصفه رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض مؤخراً بأنه "جينات الاحتلال".
وكان قد تم الإعلان عن مبادرة السلام السعودية في وقت مبكر من الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عندما أصاب الرعب الإسرائيليين بسبب موجة من التفجيرات الانتحارية، وعندما بدا الاقتصاد الإسرائيلي قريباً من حافة الانهيار. وبالرغم من ذلك، قال رئيس الأركان الإسرائيلي في حينه -ووزير الدفاع اليوم- موشي يعالون إن أولوية إسرائيل العليا ليست المفاوضات، وإنما شن حملة عسكرية "لغرس الهزيمة عميقاً في الوعي الفلسطيني".
لكن مبادرة السلام العربية التي تم إحياؤها أخيراً تتمتع على الأقل بميزة أنها تحظى -على عكس سابقتها- بالدعم الحماسي من البيت الأبيض.
وهناك أيضاً فارق آخر، يعود بلا شك إلى الضغط الذي مارسه كيري، والذي يتمثل في تنازل قدمته الدول العربية ويفيد بأن الموافقة على الدولة الفلسطينية لن تتطلب من إسرائيل العودة إلى خطوط العام 1967. ويجلب قرار الموافقة على مبادلات "صغيرة" و "متناسبة" في الأراضي الجامعة العربية إلى الانسجام مع خط المواقف الدبلوماسية لمحمود عباس والرئيس الأميركي باراك أوباما والعديد من رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين –ظاهرياً على الأقل.
لكن نتنياهو يبدو مع ذلك رافضاً حتى لاختبار جدية المبادرة العربية. أما مكمن اعتراضه الرئيس الكامن وراء معاداته العامة لأي اقتراح يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية -كما يُقال- فهو أن المبادلات "الصغيرة" في الأراضي لن تكون سخية بما يكفي لضمان احتفاظ إسرائيل بكامل مستوطناتها.
ويتم التأكيد على تزمت نتنياهو حتى وهو يصر على ضرورة عدم وجود أي شروط مسبقة للمفاوضات، وينذر بأن إسرائيل ستواجه، من دون التوصل إلى اتفاقية سلام، مستقبل دولة ثنائية القومية.
ومن جهته، عرض كيري تحذيره الخاص: هناك موعد نهائي مدته سنتان لإيجاد حل للصراع. وعندها ستبدأ فترة "البطة العرجاء" لإدارة أوباما. وقد ترك ما يتبع ذلك من دون إعلان. لكنه يفترض أنه متى ما تخلت الولايات المتحدة رسمياً عن عملية السلام، فإن ذلك سيرسخ الوضع الراهن: دولة واحدة تحكمها إسرائيل على طريقة الفصل العنصري، مع وجود سلطة فلسطينية غير ذات صلة أو واقعة في ثقب النسيان.
مهما تكن مواطن احتجاجه، فإن أياً من ذلك لا يبدو أنه يقلق السيد نتنياهو كثيراً. فبعد كل شيء، فهذه حكومة وجدت أرضيات في الفترة الأخيرة للشكوى من قرار شركة "غوغل" وضع اسم "فلسطين" على محرك البحث لديها (بدلاً من المناطق الفلسطينية).
الحقيقة هي أن جولة أخرى من المحاولات الفاشلة لصنع سلام سوف توقع المزيد من الضرر على الفلسطينيين وعلى سمعة واشنطن أكثر مما ستوقعه على إسرائيل التي لم تقصد أبداً التقاط سماعة الهاتف في المقام الأول.


*كاتب وصحفي فائز بجائزة مارثا غيلهورن الخاصة للصحافة. آخر كتبه هي "إسرائيل وصدام الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الاوسط"، و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس الانساني".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The Samson Complex: Israel again Rebuffs Peace with the Arab World

التعليق