هل غيرت تصرفات كوريا الشمالية مزاج الصين؟

تم نشره في الجمعة 10 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً
  • صادرات صينية إلى كوريا الشمالية - (أرشيفية)

زو فينج*
بيجين- بعد مرور شهر تقريباً على صدور التهديد والتصعيد من كوريا الشمالية، يبدو أن صبر الصين قد نفد، حين أنهت صمتها المتعلق بسياسة حافة الهاوية التي تتبعها كوريا الشمالية، وعبرت بشكل مفاجئ وبكل وضوح عن عدم موافقتها على التهديدات الطائشة لحليفتها. ولا يعني الخطاب المتشدد الاستثنائي للصين بالضرورة أنها تنوي التخلي عن نظام كيم يونج أون، لكن هذا الخطاب يوحي، على أقل تقدير، بأن حدوث تحول جوهري في سياسة الصين تجاه كوريا الشمالية لم يعد أمراً مستبعداً تماماً.
عندما تبادل وزير الخارجية الصيني وانج اي الاتصالات الهاتفية مع الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون بتاريخ 6 نيسان (أبريل)، عبر عن رفض الصين للخطاب والتصرفات التي تستهدف زعزعة الاستقرار في منطقة شمال شرق آسيا. وقال وانج بكل وضوح أن الصين "لن تسمح بإثارة المشاكل على عتبة الصين".
وفي اليوم التالي، خاطب الرئيس الصيني شي جينبنج تجمعا يضم قادة سياسيين وتجاريين في منتدى بواو لآسيا، وهو منتدى سنوي ترعاه الحكومة، حيث أعلن أنه "يجب عدم السماح لأي بلد بأن يوقع المنطقة، وحتى العالم بأكمله، في الفوضى لأغراض أنانية". ومع أن الرئيس شي لم يذكر بلداً معيناً بالاسم، فإن إدانته الضمنية لكوريا الشمالية كانت واضحة للجميع.
قبل هذه التوبيخات الرسمية، كانت هناك تكهنات كثيرة حول ما إذا كانت الصين سوف تخاطر بإجراء تغيير جوهري في علاقاتها مع كوريا الشمالية، "الاخ الصغير" الاشتراكي التي تستمر في دعمه بشكل كبير. أما بعد هذا التعبير النادر عن السخط على لسان كل من شي ووانج، فقد أصبحت مثل تلك التكهنات أقوى من أي وقت مضى. ويتساءل البعض عن قيمة مملكة كيم المنعزلة التي تمنع الصين من التصرف بشكل حاسم، في حين يتساءل آخرون عن مدى تأثير المخاوف المحلية للقادة الصينيين على رغبتهم في تغيير المسار فيما يتعلق بكوريا الشمالية.
في الحقيقة، استاء القادة الصينيون من الاستفزازات الاخيرة لكوريا الشمالية، وكانوا يصارعون من أجل اقناع نظام كيم بالتخفيف من هذا التقلب وقبول "الصفقة الكبيرة" المعروضة: اعتراف رسمي بكوريا الشمالية وتطبيع للعلاقات مع جميع جيرانها ومع الولايات المتحدة الأميركية، في مقابل نزع السلاح النووي. وقد أدى ذلك إلى حدوث مشاحنات كبيرة بين البلدين في السنوات الاخيرة.
وتدرك الصين أن تعقيدات الوضع في كوريا الشمالية راسخة في عزلتها العميقة عن العالم وخداعها الكبير لشعبها، وخوف كيم من خسارة سيطرته على البلاد التي لم يحكمها سوى عائلته. وبالتالي، أصبح حكام البلد يعتقدون بأن بوسعهم جلب الانتباه واكتساب الموارد فقط من خلال الاستفزازات. وبالنسبة للصين، فإنه يمكن ضمان بقاء نظام كيم فقط في حال اتبع طريق الصين في الاصلاح والانفتاح. ولكن، وفي مواجهة الديمقراطية البراقة لكوريا الجنوبية واقتصادها المزدهر، فإن النموذج الصيني غير ذي صلة بالنسبة للشمال: إن اتباع النموذج الصيني يعني الاعتراف بتفوق كوريا الجنوبية في شبه الجزيرة الكورية، وبالتالي الخسارة الفورية للشرعيه.
خلال العقدين الماضيين، جرب القادة الكوريون الشماليون بشكل محدود حداً أدنى من الاصلاح، فقط ليتراجعوا عنه سريعاً. وقد تحملت الصين بصبر هذا النمط من سياسة حافة الهاوية المتقطعة والإصلاحات الخجولة، لاعتقادها العام بأن المخاطر التي تشكلها سلالة كيم يمكن التحكم بها طالما أن الصين لم تقطع حبل الانقاذ للنظام، والمتمثل في مده بالنفط والطعام وغيرها من الضروريات -والأهم من ذلك أن القادة الصينيين اعتقدوا بأن بلدهم يقوم لدى حماية الشمال من الضغط الأميركي بحماية أمنه الوطني الخاص.
لكن التحليل الصيني خاطئ تماماً، لأنه يقلل من أهمية يأس النظام الذي لا يمكن تصوره عندما يعتقد بأن بقاءه موضع شك. كما أن كوريا الشمالية لا تريد أن تكون مدينة بالفضل لأي قوة، بما في ذلك الصين. وعليه، تقوم باستغلا حسن نية الصين ومخاوفها المتعلقة بالأمن الوطني، حتى إنها تعتبر الرعاية الصينية حقاً مكتسباً لها.
وهناك تعقيد آخر أيضاً، يتعلق بطموحات كوريا الشمالية النووية. ويبدو الشمال مقتنعاً تماماً بأن يستطيع، مع امتلاك الأسلحة النووية، المحافظة على استقلالية دبلوماسية كاملة، وبأن الصين التي تخاف من الابتزاز النووي لن تتخلى عنها على الإطلاق. والآن، جاء الدور على كوريا الشمالية لترتكب الأخطاء. ذلك أن نوبات غضب كيم يونج أون الصبيانية أغضبت الصين بحق. وكان قادة البلاد قد تذمروا أحياناً من العبء الثقيل المتمثل في دعمهم كوريا الشمالية، لكنهم لم يظهروا قبل هذه اللحظة استياءهم الواضح من أداء الشمال.
يمكن اعتبار تحذير الصين بأنها لن تسمح لكوريا الشمالية "بإثارة المتاعب على عتبة الصين" بأنه يشبه "البطاقة الصفراء" التي يبرزها الحكم في مباراة لكرة القدم. إن الصين لم تقرر التخلي عن كوريا الشمالية بعد، ولكن التحذير صارم بالنسبة لكيم يونج أون، حيث يمكن أن تقوم الصين بتهميشه في حال لم يقم بتغيير سلوكه.
مع زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري بيجين، يكون الوقت قد حان حتى يتفاوض القادة الأميركيون والصينيون من أجل التوصل إلى مخرج حقيقي وقابل للحياة للأزمة الحالية، بينما يقومون وبشكل مثمر باستكشاف الأساليب الكفيلة باستئناف عملية نزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية. وفي حال أدت تهديدات كيم النووية الرنانة إلى تقارب صيني أميركي حول التوصل إلى تسوية مشتركة تتعلق بكوريا الشمالية، فإن العالم كله سيصبح أكثر أمناً نتيجة لذلك.


* نائب مدير مركز الدراسات الدولية واستاذ العلاقات الدوليه في جامعة بيجين.
* خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكت"، 2013

التعليق