العراق.. حيث يذهب الإرهابيون للتعلُّم

تم نشره في الاثنين 8 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً
  • (أرشيفية)

جيسيكا شتيرن*
 (النيويورك تايمز) 18/3/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


في العام 2003، قال الرئيس جورج دبليو بوش إن العراق هو "جبهة مركزية" في الحرب على الإرهاب. وقد كان مخطئاً، لكنه كان صاحب بصيرة. فقد أصبح العراق جبهة لنزعة التطرف المتشدد —وهي الجبهة التي خلقتها الولايات المتحدة نفسها.
بغض النظر عن أي شيء آخر –عدم وجود أسلحة الدمار الشامل، وحصيلة الخسائر في الدم والمال، والفقدان الكبير للأرواح- تقف الذكرى السنوية العاشرة للغزو لتكون لحظة تأمل لهذا التراجع الكبير فيما يسمى الحرب على الإرهاب.
لم يختف تنظيم فرع العراق التابع للقاعدة الذي طفا على السطح في العقد الماضي بمقتل أسامة بن لادن في العام 2011، أو عندما انسحبت آخر القوات الأميركية من العراق في كانون الأول (ديسمبر). بل على العكس، فقد عادت المجموعة للظهور في العراق -والآن عند جيرانه- حتى أن منظمات أخرى تستلهم القاعدة تستمر في النشاط في شبه الجزيرة العربية وفي شمال إفريقيا.
في أعقاب غزو العراق الذي بدأ ذات يوم أربعاء قبل عشرة أعوام، بدأ الإرهاب بالصعود في داخل حدود العراق بتسارع. وقد تم تسجيل 78 هجوماً إرهابياً ضد المدنيين في العراق في الشهور الاثني عشر الأولى بعد الغزو. وفي الشهور الاثني عشر التالية تضاعف الرقم أربع مرات ليصل إلى إلى 302.
وفي أوج الحرب في العام 2007، قتل الإرهابيون 5.452 مدنياً وجرحوا 9.878 شخصاً آخرين. ومع أن حدة العنف تراجعت منذئذٍ، فقد أعاد المتشددون السنة إطلاق حملتهم ضد رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي. وقتلت سلسلة من الهجمات الأخيرة 52 عراقياً، بمن فيهم مسؤول في وزارة المالية العراقية، وأفضت إلى جرح 180 آخرين.
وتبدو هذه المليشيات السنية مصممة على استعادة قوة التواجد والضغط التي كانت قد خسرتها في حربها ضد القوات الأميركية. وقد شن المفجرون الانتحاريون عدة هجمات منذ كانون الثاني (يناير) فيما كان تنظيم القاعدة في العراق يعيد تنظيم صفوفه وتجمعه في محافظة الأنبار في غربي العراق المجاور لسورية. وفي يوم 19 آذار (مارس)، قتل الإرهابيون نحو 60 شخصاً في عدة تفجيرات وقعت في ضواحٍ شيعية في بغداد. وقد أصبحت الحالة الأمنية الراهنة في العراق هشة إلى درجة استدعت إرجاء إجراء الانتخابات في محافظتي الأنبار ونينوى لستة أشهر أخرى على الأقل.
إن كلف الإرهاب الذي تسببت به الحرب تبقى أكثر بكثير من عدد الأرواح التي فقدت وما انطوت عليه من رعب. فقد قست قلوب الإرهابيين الذين تم جرهم إلى العراق منذ العام 2003 واستطاعوا النجاة بعد قتالهم أكثر القوات العسكرية تطوراً في التاريخ، والذين غالباً ما كانوا يعملون مع مسؤولين سابقين في نظام صدام حسين البعثي. وقد طور هؤلاء خبرة في مقاومة الاستخبارات، وتهريب السلاح والتزوير. وأعيد استعمال طرق التهريب والتحالفات التي كانت تنقل الإرهابيين والإمدادات إلى العراق خلال أوج الحرب في العامين 2006-7، ما أتاح المجال أمام تدفق المقاتلين والإمدادات إلى البلدان المجاورة، وخاصة سورية التي تدخل الآن عامها الثالث من الحرب الأهلية.
وتنشط القاعدة الآن على نحو متزايد في الخارج. ففي تشرين الثاني (أكتوبر) من العام 2012، اعتقلت السلطات الأردنية 11 مشتبهاً فيهم، والذين يُزعم أن هدفهم كان "قتل أكبر عدد ممكن من الناس" و"تركيع عمان". ويلعب تنظيم القاعدة في العراق أيضاً دوراً يزداد أهمية باطراد في أوساط الإسلاميين الذين يقاتلون نظام الرئيس بشار الأسد في سورية. ولعل مما يولد الكثير من القلق على نحو خاص هو انتقال صانعي القنابل والتقنيين العسكريين إلى داخل سورية. وكما طغى الجهاد في العراق في الكثير من فترات العقد الماضي، لتصبح سورية "وجهة الجهاد" في هذه الأيام.
في الأثناء، أفضى تفاقم التوتر السني الشيعي إلى الإسهام في خلق قوات قتالية قادرة على استغلال وتجيير هذا التوتر في عموم المنطقة. وأبرز المجموعات السنية الجهادية في سورية هي جبهة النصرة التي تعمل بقيادة مخضرم من التمرد العراقي، أبو محمد الجولاني. وتقاتل جبهة النصرة نظام الأسد بهدف تأسيس دولة إسلامية في سورية. وبالرغم من أن الشيعة العراقيين يعارضون تقليدياً نظام السيد الأسد بسبب روابطه بالحركة البعثية الممثلة بصدام حسين، فإنهم يرون في الانتفاضة السورية إمارات على حرب أهلية طائفية، حيث يسافر البعض إلى سورية لدعم السيد الأسد، الشيعي (العلوي).
طوال عقد تقريباً، عمل العراق كمختبر للإرهابيين الذين يقومون بشحذ وإتقان تقنياتهم. وقد اشتملت الابتكارات في حرفة التجارة على الاستخدام الموسع لأجهزة التفجير البدائية وشن الهجمات الانتحارية ونشر الدعاية الجهادية عبر تسجيلات الفيديو للنشاطات الإرهابية وتطوير لوحات النشرات الإخبارية على الموقع العنكبوتي. وعلى سبيل المثال، كانت الهجمات الانتحارية قد استخدمت بوتيرة متزايدة في العراق بين العامين 2003 و2005 قبل أن يهاجر هذا التكتيك إلى أفغانستان وباكستان. فقبل العام 2005 كان هناك القليل من الهجمات الانتحارية في أفغانستان. ومع ذلك، ومع حلول العام 2010، كانت هناك هجمات انتحارية في أفغانستان أكثر مما في العراق.
وعلى نحو مشابه، أتقن الإرهابيون استخدام السيارات الملغومة وقنابل قارعة الطريق. وفي العام الذي تلا غزو العام 2003، ذكر أن 19 هجوماً بقنابل محمولة على عربات قد وقع في العراق. وارتفع هذا الرقم إلى 54 في العام 2004، وإلى 82 في العام 2005، وإلى 204 في العام 2007 عندما بدأ الرئيس بوش "زيادة" عديد القوات التي بدأت في النهابة بإطفاء جذوة العنف.
الأخبار الجيدة من العراق -إلى الحد الذي توجد فيه أخبار جيدة- هي أن الولايات المتحدة استطاعت أن تزيح من السلطة دكتاتوراً وحشياً. لكننا تركنا وراءنا وبعد سبعة أعوام مدماة -ليس أمة مقسمة وحسب، وإنما أيضاً جامعة دولية للإرهابيين، والتي ينتشر خريجوها راهناً في عموم المنطقة.
أن تكون الحرب على الإرهاب، التي خلقت البيئة السياسية لغزو العراق قد انتهت إلى تضخيم الإرهاب هناك وفي المنطقة، فإن ذلك لا يعدو كونه واحداً من العديد من التداعيات المأسوية لهذه المغامرة الأميركية سيئة الطالع.
عندما نريد أن نقنع أنفسنا بأهمية حرب ما، كما فعل السيد بوش وفريقه في العام 2003، فإننا نكون عرضة لنشاط غير منطقي وإنكار للحقائق غير المناسبة. وقد اشتملت التكاليف المتراكمة لعمانا الإرادي على تقوية الظاهرة في حد ذاتها -الإرهاب- التي استشهد بها قادتنا لجرنا إلى حرب غير ضرورية، تركتنا مفلسين معنويا ومالياً.


*زميلة في مركز "أف اكس بي" للصحة وحقوق الإنسان في كلية هارفارد للصحة العامة، وهي مؤلفة كتاب: "النكران: مذكرات الإرهاب"
*نشرت هذه المقال تحت عنوان:
Iraq: Where Terrorists Go to School

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق