حان الوقت لتشكيل حكومة انتقالية في سورية

تم نشره في الثلاثاء 22 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً
  • أحمد الخطيب بعد انتخابه رئيساً للتحالف الوطني السوري - (أرشيفية)

رضوان زيادة * (فورين بوليسي) 

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
منذ بداية الثورة السورية في آذار (مارس) من العام 2011، تحول نظام الأسد إلى ميليشيا عديمة الرحمة تخوض معركة يائسة ضد الشعب السوري. ولم يكتف النظام بقتل آلاف السوريين وحسب، لكنه بدد أيضاً ثروتهم الوطنية؛ والأهم من كل شيء، أنه دمر نسيج المجتمع السوري نفسه. وكلما طال أمد استمرار الأسد في السلطة، كانت الفترة الانتقالية أصعب وأكثر إيلاماً. وقبل فوات الأوان، يجب على السوريين تشكيل حكومة سورية انتقالية، كما يجب على المجتمع الدولي أن يدعمهم في ذلك المسعى.
لقد أجبرت أعمال الحكومة السورية البلد على السقوط في أتون صراع طائفي بغيض وحرب أهلية مرعبة. وانتهك النظام (أو المليشيا) معاهدات جنيف مراراً وتكراراً، ولم يمتثل لأي من قواعد الحرب. فعلى سبيل المثال، أودت الطلقات النارية بأرواح بعض من خيرة الناشطين الشباب غير العنيفين في سورية، مثل غيث مطر وتامر الشرع وحمزة الخطيب. وبالإضافة إلى ذلك، انخرط النظام في الممارسة الوحشية وغير الإنسانية عبر استهداف المستشفيات والمواطنين المصطفين في طوابير الخبز. ومع ذلك، ما يزال الشعب السوري يتحمل بصمود هذا الكفاح المرعب لحوالي العامين تقريباً، ليس من أجل حماية حركته وتصميمه فحسب، وإنما أيضاً، والأكثر أهمية، للمحافظة على تضامنه ضد سياسة هدفها الوحيد هو تمزيقه إرباً.
وأصلاً، تقع سورية في منتصف العملية الانتقالية. فالكثير من الأراضي السورية حرر، وأصبح بعيداً عن متناول القوات السورية. وسقطت نقاط العبور التالية على الحدود السورية التركية بأيدي المعارضة: "باب الهوى" و"السلامة" و"جرابلس" و"تل أبيض". ويعني سقوط نقاط العبور هذه أن الأسد قد فقد ادعاءه السيادة. وفي الحقيقة، لم يعد بشار الأسد رئيس سورية. ومن الممكن وصفه بشكل أكثر دقة بأنه محافظ لدمشق وبعض ضواحيها. ولا يبدو الأسد قادراً على أن يخطو خطوة وراء أسوار قصره من دون أن تكون عصاباته وميليشياته قد خطتها من قبله. وبالإضافة إلى ذلك، لم تعد الحكومة تسيطر على نقاط العبور الحدودية السورية مع تركيا ومع العراق. لقد فقد الأسد إمكانية المحافظة على سيادة البلد على المناطق الجغرافية المهمة استراتيجياً. ومن المؤكد أن الأسد يستطيع إيذاء وقصف أو تدمير هذه المناطق، لكنه لا يستطيع استعادتها.
ومع ذلك، ثمة القليل من المناطق المحررة متصلة جغرافياً. وتظل المناطق المحررة عرضة للضربات الجوية لقوات النظام، وبالتالي لا يمكن اعتبارها "مناطق آمنة". وبالإضافة إلى ذلك، فإن أياً من المناطق المحررة لا تديرها حالياً سلطة مركزية، وهو ما يسهم، إذا ما أضيف إلى قصف النظام، في زعزعة الاستقرار في المناطق المحررة. ومن المهم جداً في هذه المرحلة أن يتوحد كل السوريين في إدارة الفترة الانتقالية من أجل الحيلولة دون انتشار الفوضى العارمة وضمان فترة انتقالية سلسة. وتتطلب إدارة المناطق المحررة سلطة مركزية تستطيع إدارتها سياسياً واقتصادياً ولوجستياً وقضائياً واجتماعياً وقانونياً. ويجب على الجيش السوري الحر التحرك وفتح طرق إمداد لتوفير المساعدات اللوجستية لعموم هذه المناطق، وتأسيس القدرة على التحرك في حدود المناطق المحررة من دون تهديد الأسد ونظامه.
ولن تكون هذه التحركات العسكرية وحدها كافية مع ذلك. إذ يبقى أخذ الأسس التي ستقام عليها هذه السلطة في المناطق المحررة في عين الاعتبار ذا أهمية بالغة، ويتطلب منا أن نكون مسؤولين إزاء الكيفية التي ننظم من خلالها العملية الانتقالية. وثمة العديد من القوى السياسية في المعارضة السورية ما تزال ترفض تشكيل حكومة مؤقتة على الأرض، مدعية أن القيام بهذه الخطوة ما يزال سابقاً جداً لأوانه. وربما كان ذلك صحيحاً ذات مرة، لكنه لم يعد كذلك. والشروط المسبقة التي وضعها بعض أعضاء المعارضة قبل تشكيل الحكومة الانتقالية لن تنفع أبداً. لذلك، يجب تشكيل الحكومة الانتقالية أو حكومة المنفى في الحال. ويجب أن تستهدف الحكومة الانتقالية إنجاز عدد من الأهداف الرئيسية.
أولاً، يجب أن تدعم إقامة سلطة مركزية للمناطق المحررة من أجل الإبقاء على السيطرة ولمنع انتشار الفوضى العارمة. وليس المجلس الوطني السوري ولا الائتلاف السوري قادرين راهناً على تأسيس هذه السلطة. ومع ذلك، كلما طال أمد تشكيل الحكومة الانتقالية، ستكون الحالة أكثر فوضوية، وكلما أصبح من الأصعب تأسيس سلطة مركزية، صار من الأصعب تزويد المناطق المحررة بالخدمات المجتمعية وبالمؤسسات القضائية والخدمات الطبية والمساعدات الإنسانية.
ثانياً: على المستوى القانوني، من الممكن تقويض شرعية نظام الأسد من خلال منح السيطرة للسلطة المركزية على السفارات السورية، والتي يمكن أن يمارسها ممثلو الحكومة وليس كيانات سياسية. كما يجب تسليم مراكز الحكومة السورية في المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، للحكومة الانتقالية.
ثالثاً، سيكون من شأن ذلك أن يمهد الطريق بالتالي نحو الاعتراف الدولي الذي سيتيح المجال أمام الحكومة الجديدة بوضع قانون يسمح بإحالة نظام الأسد إلى محكمة الجنايات الدولية بقدر أكبر من السهولة.
رابعاً، من شأن تشكيل حكومة تركز على المستوى الإداري المساعدة في تحييد النزاعات السياسية أو الخلافات بين أعضاء المجلس الوطني السوري أو الائتلاف السوري. وكانت هذه النزاعات في الغالب تدور حول المواقع من دون البحث في أي مسائل تتعلق بالثورة السورية مثل: تعزيز الجيش السوري الحر، أو كيفية إدارة المساعدة الإنسانية. وسيمكّن تشكيل الحكومة الإدارية من تجاوز تلك الخلافات، بينما يسهل من عملية انخراط المجتمع الدولي على مستوى عملي فاعل. ولطالما اشتكى المجتمع الدولي باستمرار من هذه الخلافات القائمة داخل المجلس الوطني السوري من قبل، والآن داخل الائتلاف. وسيرد هذا التشكيل على تلك الشكاوى ويسهل إدارة الأمور على المستوى التنظيمي.
خامساً وأخيراً، ثمة السؤال: من الذي سيخلف بشار الأسد؟ ومن سيتولى حكم الفترة الانتقالية بعد سقوط الحكومة السورية؟ لن يكون المجلس الوطني السوري ولا الائتلاف السوري قادرين على إنجاز هذا العمل. وستكون الحكومة الانتقالية هي الوحيدة القادرة على معالجة هذه العملية على أسس مؤقتة إلى أن يتم عقد انتخابات شرعية وشاملة.
على أنه يجب أن تكون أولوية المعارضة الآن تشكيل حكومة انتقالية أو حكومة في المنفى. ويجب أن تشكل الحكومة الانتقالية من خلال عقد مؤتمر قومي يعقد في الأراضي السورية. ويجب أن يضم المشاركون في المؤتمر القومي كلاً من: المجالس الثورية المحلية؛ واللجان التنسيقية المحلية؛ والجيش السوري الحر؛ والكتائب المستقلة. ويجب أن تكون لقوى المعارضة الأغلبية في الحكومة المشكلة حديثاً، ويجب أن ينحصر دورها في تحديد هيكل الحكومة خلال الفترة الانتقالية. وسيكون من شأن ذلك أن يستجيب للعديد من المشاكل المتواصلة التي أحس المجتمع الدولي بأنها موجودة في تشكيلة المعارضة السورية، وبالتالي المسارعة إلى إنجاز العملية التي تمس الحاجة إليها في الطريق إلى إنهاء نظام الأسد وخلق سورية جديدة وحرة.

*المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والإستراتيجية الذي يتخذ من واشنطن مقراً له.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Time for a Syrian transitional government

التعليق