أخطار مقاومة الميكروبات المعدية للمضادات الحيوية على الصحة

تم نشره في الأربعاء 16 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً
  • مقاومة أنواع متعددة من البكتيريا والفيروسات المعدية للإنسان ضد المضادات الميكروبية، إحدى أهم المشكلات التي تقلق الأطباء - (أرشيفية)

عمان- أصبحت ظاهرة انتشار مقاومة أنواع متعددة من البكتيريا والفطريات والفيروسات المعدية للإنسان ضد المضادات الميكروبية، إحدى أهم المشاكل التي تقلق الأطباء والعاملين في مجال صحة الإنسان والحيوان في معظم دول العالم، ومنها البلدان النامية التي لا تستطيع دفع أثمان أدوية المضادات الحديثة والغالية الثمن، ما سيؤدي في المستقبل القريب الى انتشار العدوى بعدد من الميكروبات المعدية التي كانت بالماضي القريب سهلة المعالجة، وهذا بدوره سيؤدي الى زيادة الوفيات بين المرضى والأطفال بصورة خاصة. وقد ذكر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي للعام 2013، ظاهرة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، كأحد الأخطار المهمة التي ستواجه شعوب العالم خلال السنوات المقبلة.
زيادة فشل المعالجة والوفاة
فعليا أصبحت هذه الظاهرة الخطيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، أحد أهم أسباب زيادة حالات فشل معالجة الالتهابات والحميات بجميع أنواعها؛ ومنها خمج الدم، ومسببات الإسهالات الميكروبية، والتهابات الجهاز التنفسي والبولي، ومرض السل الرئوي وغيرها، كما نتجت عن هذه الظاهرة الخطيرة زيادة كبيرة في نسبة مضاعفات المرض، وزيادة إقامة المرضى والوفيات في المستشفيات. وكمثال؛ يشير أحد التقارير في الولايات المتحدة للعام 2011، إلى أنه كل عام يموت ما يقارب من مائة ألف مريض، نتيجة إصابتهم بأحد الميكروبات المعدية، ويقدر أن 70 % منهم يموتون فعليا بسبب مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.
زيادة تكلفة علاج المريض
تبين العديد من الدراسات والأبحاث العلمية الموثقة التي تنشر تباعا في المجلات الطبية العالمية والمحلية، أن زيادة انتشار سلالات البكتيريا المقاومة للعديد من المضادات داخل المستشفيات وخارجها تزيد كلفة علاج المرضى الى الضعف وأكثر، وهذه التكلفة الزائدة تقدر بعشرين بليون دولار سنويا في الولايات المتحدة الأميركية وحدها، حسب تقرير للعام 2011. وكمثال من الأردن، نذكر أنه في الماضي القريب، وقبل عشرين عاما فقط، كانت تكلفة علاج المريض المصاب بالتهاب المجاري البولية العادي لا تزيد على عشرة دنانير أردنية، وحاليا، قد تصل تكلفة العلاج الى ألف دينار وأكثر، إذا أصيب هذا المريض بنوع من البكتيريا المقاومة للعديد من المضادات الحيوية، وقد لا يشفى المريض من الإصابة طوال حياته ويعاني من مضاعفات المرض.
سوء وكثرة استخدام المضادات الحيوية
تؤكد غالبية الدراسات العلمية العالمية، أن زيادة انتشار مقاومة البكتيريا للمضادات، تترافق تصاعدياً مع كثرة وسوء استخدام المضادات الحيوية عند الإنسان والحيوان، وخصوصا في البلدان التي يسهل فيها شراء أدوية المضادات بدون وصفة طبية من الصيدليات كما هو الحال في الأردن ومعظم الدول العربية والنامية. كما ينتشر في عدد كبير من دول العالم سوء وكثرة استعمال أدوية المضادات في مزارع الطيور والأسماك والحيوانات التي يستهلك لحومها البشر، وذلك بغرض حمايتها من الأمراض أو زيادة أوزانها بسرعة، هذا مع العلم بأن هناك حاليا أنواعا خاصة من المضادات الحيوية تصنع لهذا الغرض، ويمكن استعمالها بدل المضادات الحيوية المخصصة للبشر، وهذه الأدوية ثبت أنها تساعد على خفض زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.
وأكدت الدراسات والأبحاث العلمية عالميا ومحليا في الأردن، أن هناك عددا من أنواع البكتيريا المقاومة للمضادات تصعب السيطرة عليها أثناء عدوى المريض بها داخل المستشفيات، ما يجبر الطبيب على علاج المريض بعدة أنواع من المضادات الحيوية القوية المفعول، والتي قد تؤدي الى مضاعفات جانبية تؤثر على جسم المريض في المستقبل.
أسباب ظاهرة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية
أثبتت الأبحاث أن خلية البكتيريا الصغيرة الحجم والتي لا يمكن رؤيتها بالعين بدون استعمال الميكروسكوب، لا يزيد متوسط طولها على جزأين من الميكرون. وهذه الخلية تتميز بأنها تحتوي على شريط حلقي مزدوج من المادة الوراثية DNA، والتي تعرف بالكروموسوم وتحتوي غالبا على 3000 الى 4000 من الجينات (عامل الوراثة في الخلية). وجينات الخلية تكون مسؤولة عن نمو وتكاثر وكل نشاطات الخلية الحيوية بما فيها مقاومة المضادات الحيوية. ولذلك عندما تتعرض خلايا البكتيريا الى أدوية المضادات والمطهرات الكيميائية، تقوم الخلايا بمساعدة الجينات بتطوير مقاومة نوعية ضد نوع وأكثر من المضادات بشكل سلالات جديدة (طفرات/Mutants)، وهذه بدورها تبدأ بإفراز انزيمات/خمائر تمنع تأثير المضاد عليها. ومن أشهر هذه الانزيمات، مجموعة البنسلينات التي اشتق اسمها من دواء البنسلين والتي يزيد عدد أنواعها على الخمسين، وجميعها تستطيع وقف عمل كل أدوية البنسلين Penicillin والسفلوسبورين Cephalosporin ومشتقاتهما الكثيرة التي كانت تستعمل في الماضي القريب بشكل واسع وناجح في علاج معظم أنواع البكتيريا المعدية للإنسان. وتختلف الفترة الزمنية اللازمة لظهور مقاومة البكتيريا حسب نوع التركيب الكيماوي والبيولوجي للدواء المستعمل، بالإضافة الى نوع وصنف البكتيريا، ومكان تكاثرها في الجسم الحيوي أو في الطبيعة. ومن المعروف علميا أن أمعاء الإنسان والحيوانات والطيور والمياه الملوثة مثل مياه المجاري، تعد أماكن مثالية لظهور سلالات جديدة مقاومة للمضادات الحيوية.
انتشار المقاومة بين سلالات بكتيريا الجسم الأليفة
حالما تظهر سلالة جديدة من البكتيريا مقاومة لمضاد حيوي واحد أو أكثر، يسهل عليها فيما بعد أن تنقل هذه المقاومة الى سلالات البكتيريا الأخرى. ويسهل انتقال المقاومة للمضادات لكون خلايا البكتيريا تحتوي على مكونات وراثية صغيرة الحجم بجانب الكروموسوم، تسمى البلازميدات Plasmids والترنسبوسومات Transposons، وكلاهما يتكون من عدد قليل من الجينات لا يزيد عادة على مائة جين، ويساعدان على جمع ونقل الجينات المقاومة لواحد أو أكثر من المضادات الحيوية بين سلالات البكتيريا من مختلف الأنواع المتشابهة. وهذه الجينات التي تحمل صفات المقاومة للمضادات تبقى مستقرة في السلالة الجديدة، وما ينمو منها في المستقبل. ومن الصعب أن تعود طفرة السلالة المقاومة للمضاد أو المضادات الحيوية لحالتها السابقة، لكون السلالات الجديدة تسقر عادة في أمعاء الإنسان والحيوان لمدة طويلة، وتنتشر مع الفضلات الى مياه المجاري والتربة، ومنها الى مصادر المياه الجوفية والسطحية وتلوث الخضراوات الورقية والتربة التي تسقى بمياه المجاري، ومن ثم تعود مرة ثانية مع الطعام والماء الى أمعاء الإنسان والحيوان.
وتشير معظم الدراسات العلمية والمنشورة حديثا، إلى أن معظم أنواع البكتيريا التي تعيش عادة بصورة طبيعية وأليفة في جسم الإنسان، تبدأ بالتدريج، وعبر عدة سنوات، في تطوير مقاومة للمضادات الحيوية، وخصوصا أثناء كثرة استعمالها في معالجة الأمراض التي تسببها   البكتيريا. وحاليا، هناك عدد من أنواع البكتيريا المهمة التي تسبب معظم حالات العدوى في المستشفيات، أصبح من الصعوبة السيطرة عليها بالمضادات الحيوية، وتؤدي العدوى بها أحيانا الى موت المريض، لكون المضادات الحيوية المتوفرة لا تستطيع القضاء عليها.
ويبقى السؤال المهم، ما العمل لوقف انتشار مقاومة الميكروبات؟  يفرض الواجب المهني والأخلاقي على جميع الأطباء البشريين وأطباء الأسنان والصيادلة والأطباء البيطريين والعاملين في المختبرات الطبية، ضرورة زيادة الاهتمام والمتابعة العلمية المستمرة بالتطورات الجديدة كافة التي تتعلق بظهور وانتشار مقاومة أنواع الميكروبات المعدية للإنسان ضد المضادات الحيوية. ومن المهم أن نعرف بأن الوسائل العملية المتاحة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة، والتي أصبحت تقتل وتهدد حياة الملايين من البشر، محدودة حاليا، بمنع سوء استخدام المضادات الحيوية في المجالات البشرية كافة وعند الحيوانات والطيور الداجنة. وبالتأكيد هناك سباق مع الزمن لمنع أن تصبح غالبية المضادات الحيوية المتوفرة للعلاج غير صالحة للاستخدام خلال المستقبل القريب.
ومن الضروري أن يتم تثقيف المواطن العادي، بألا يستعمل المضادات الحيوية بدون استشارة الطبيب، وأن يتقيد بتعليمات استعمالها حسب نصائح الطبيب. ومن المهم أن يعرف كل شخص، بأن أدوية المضادات الحيوية، هي الأدوية الوحيدة التي تتميز بأن صفة استعمالاتها تتعدى حدود الفرد الواحد الذي يتناولها، لأن استعمالها عمليا يؤثر بصورة غير مباشرة على جميع أفراد المجتمع.


د. عاصم الشهابي
أستاذ الميكروبات الطبية في كلية الطب بالجامعة الأردنية

التعليق