الشرق الأوسط.. لا يساعد الماضي على قراءة المستقبل

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً
  • سوريون يحتجون على قمع الحريات في سورية - (أرشيفية)

بيتر بومونت – (الأوبزيرفر) 30/12/2012

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ترسم التقارير الأخيرة الواردة من داخل سورية صورة قاتمة للأوضاع على كلا جانبي الصراع. ففي حلب، وكما وصف الوضع هناك زميلي في صحيفة "الغارديان" غيث
عبد الأحد في تقرير ضاف في الأسبوع الماضي، ما تزال المعارضة المسلحة للرئيس بشار الأسد منقسمة على نفسها كما كان حالها دائماً، وما يزال النهب ممارسة شائعة هناك، والخصومات تتضاعف. وفي دمشق، يستمر الوضع بالنسبة للأسد وحاشيته في التدهور. وقد أصبح الرئيس نفسه، كما تشير بعض الروايات، "معزولاً وخائفاً"، وهو غير مرئي تقريبا، وغير راغب في المغامرة بالظهور في الخارج. كما أن القدرة التشغيلية للقوات الأقرب إليه على القيام بعمليات آخذة في الانخفاض أيضاً، حتى أن روسيا تبدو وأنها شرعت في النأي بنفسها عن الأسد، إن لم يكن عن سورية نفسها.
ووفق جميع الاحتمالات، تبدو نهاية ما للنظام وأنها أمر لا مفر منه -إن لم يكن الآن، ففي المستقبل غير البعيد. والسؤال الذي يجري طرحه الآن هو: ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ وعلى الرغم من كون الرغبة في التنبؤ وتخمين ما سيأتي تالياً تظل نزوعاً بنيوية ومتأصلة في طبعنا البشري، خاصة في طبيعة الصحفيين والمحللين، فإنه يظل من المحتمل أن نخطئ في هذا المسعى بقدر كبير.
في معظم الحالات، تبدو أكثر الأدوات استخداماً في محاولة تفسير الحالات المعقدة مثل الصراع، بما في ذلك القياس على التماثل التاريخي لتفسير الأحداث الجارية، مضللة بعمق على الأغلب، كما حذر موقع ملوك الحرب "كنغز أوف وور" التابع لدائرة دراسات الحرب في كلية كينجز في لندن قبل عيد الميلاد الأخير. والحقيقة هي أن الشرق الأوسط ليس منطقة البلقان في التسعينيات، كما أن مصر ليست هي إيران الثورية. إن "الحقيقة"، كما استنتج الموقع المذكور، "هي أنه ربما يجب علينا أن لا نستغرب من الأشياء التي تفاجئنا".
وفي الواقع، كان كادر كامل من المتخصصين في الدراسات السوفيتية قد أخفق في التنبؤ بانهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان مقبلاً. ويمكن قول الشيء نفسه عن أولئك المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، الذين لم يفشلوا فقط في التنبؤ بالربيع العربي، وإنما أملوا بمجرد بدئه استخدام نماذج تونس ومصر لاقتراح الكيفيات التي ربما تسفر عنها الثورات الأخرى.
إننا لا نستطيع قول ما إذا كانت سورية بعد الأسد، بتوتراتها الاجتماعية والطائفية المخصوصة، سوف تشبه ليبيا ما بعد القذافي أو عراق ما بعد صدام. وفي الحقيقة، كانت كل الصراعات وجميع حالات ما بعد انتهاء الصراع غير سعيدة، أو غير مستقرة، كل بطريقتها الخاصة.
إن ما يمكننا قوله عن الربيع العربي ليس ما يمكن أن ننتهي إليه، وإنما أين نحن الآن -أي في هذا الخضم من إعادة التشكيل الكبرى لكافة الافتراضات الإقليمية القبلية التي صمدت هناك لفترة تقاريب جيلاً كاملاً.
كانت السمة المهيمنة على هذه الظاهرة حتى الآن هي صعود نوع مختلف من الإسلام السياسي، والذي شكلته، إلى حد كبير، جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها ظاهرة عالمية. ولهذا كله، ما يزال من الصعب إطلاق التعميمات حول التجليات المختلفة من أجنحة الإخوان وفروعهم. وقد أصبحت حركة حماس، الفرع الفلسطيني للإخوان في غزة، ما هي عليه الآن لأنها تشكلت بفعل تجربتها في الكفاح المسلح، تماماً كما تشكلت جماعة الإخوان في مصر من خلال تاريخها الخاص.
في مصر، كما قال مايكل وحيد حنا في مجلة "فورين بوليسي" في تشرين الثاني (نوفمبر) كان ما أنتجه هذا هو منهج "نصب الكمائن" في اتخاذ القرارات في عهد الرئيس محمد مرسي، وهو نهج يفتقر إلى الاجماع والتشاور. وفي حين أنه "ليس معادياً للديمقراطية في حد ذاتها،" كما يقول حنا، فإن هذا النهج "يعتمد على مفهوم مميز لفكرة ‘الفائز يحصل على كل شيء السياسة’ والحط من قدر المعارضة السياسية. ومن هذا المنظور، يخول الفوز في الانتخابات المنتصرين بالحكم دون رادع أو اعتبار لمخاوف الخاسرين."
وثمة ظاهرة ثانية أيضاً، هي النشاط المتزايد لدول الخليج، وخاصة قطر والمملكة العربية السعودية. وقد أصبحت المحاور المختلفة للنفوذ القطري، المال والمساعدة -بعضها رسمي، وبعضها غير رسمي- بمثابة سمة أخرى رئيسية مميزة للربيع العربي، خاصة في ليبيا وسورية. وقد وصف عضو رفيع المستوى في نظام عربي مغضب من السلوك الخليجي دوافع ما يجري من دعم الثورات في أماكن أخرى في حديث خاص بأنه مجرد محاولة سافرة من قبل الحكام هناك "ليكونوا في المطبخ وليس على القائمة." وهذا يعني، تطعيم أنفسهم ضد التهديدات الداخلية.
وهناك سمة رئيسية ثالثة للربيع العربي، متداخلة مع الثانية، وربما أكثر جدية وخطورة، هي الارتفاع المستمر في مستوى العداء الطائفي بين السنة والشيعة في المنطقة. وبينما ظهرت مصر وقطر وتركيا باعتبارها مركزاً لمحور النفوذ السني الناشئ القوي، فقد وضعها ذلك في موقف التعارض مع إيران الذاهبة إلى عزلة متزايدة، والتي تبدو محاولاتها الخاصة لبناء نفوذها في المنطقة، خاصة من خلال تحالفاتها مع سورية الأسد وحزب الله، وأنها أصبحت الآن في خطر.
ولكن، ماذا عن الربيع العربي نفسه؟
لقد بدأ المتشائمون الحديث بالفعل عن "شتاء عربي"، وهو تعبير ربما يكون بلا معنى تماماً مثل تسمية "الربيع" الأصلية. لكن هذه الشكوك ربما تكون في غير محلها، كما أكدت العالمة السياسية الأميركية شيري بيرمان في الأسبوع الماضي. وبدلاً من ذلك، كما تشير بيرمان، فإن السمة المميزة لجميع موجات الدمقرطة في القرن الماضي كان أنها أعقبها "تيار تحتي، مصحوب باستنطاق واسع النطاق لجدوى، بل وحتى لمدى الرغبة في تطبيق الحكم الديمقراطي في المناطق المعنية". وأضافت بيرمان: "بمجرد أن يستقر التقدم السياسي، يأتي رد فعل محافظ حينما يشرع النقاد بالتأسي وندب الاضطراب الحاصل في العهد الجديد، وينظرون إلى الوراء بحزن وحنين إلى الاستقرار والأمن المفترض للحقبة الاستبدادية السابقة."
أما القضية الأخيرة، وربما المجهولة أكثر ما يكون في الوقت الراهن، فهي كيف يمكن للتغييرات أن تؤثر على إسرائيل، التي تظهر وأنها تسير مسبقاً في الاتجاه المعاكس تماماً لعملية السلام، وتزداد عصبية باطراد تجاه جيرانها في المنطقة. ومع تزايد انعدام الأمن في شبه جزيرة سيناء ولبنان، وتداعيات المعاناة في الشمال من الحرب في سورية، شهد حتى الأردن اضطرابات سياسية. وإلى جانب افتقار الرئيس أوباما الواضح للاهتمام بالمنطقة على النطاق الأوسع، أو في كسر الجمود في عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين على وجه الخصوص، يبدو من المرجح أن يؤدي ذلك إلى مزيد من إعادة التخندق، وابتعاد الآفاق أكثر من أي وقت مضى لإمكانية تطبيق حل الدولتين.
لقد اختبرت أحداث العامين الماضيين في الشرق الأوسط تدمير سلسلة من النماذج التفسيرية. والواقع أن حجج العديدين من التدخليين الليبراليين، ومحللي السياسة الخارجية "الواقعيين" ومناهضي الإمبريالية بدت جميعاً سطحية جداً وبنفس المقدار عندما ووجهت بالحقائق الجديدة قيد العمل.
إذا كان من البديهي في الأوساط العسكرية أن "الجنرالات يعدّون دائماً لخوض الحرب الأخيرة"، فإن ذلك صحيح أيضاً بنفس المقدار في دوائر السياسة الخارجية. وإذا كان هناك درس واحد شامل من الربيع العربي، فهو أننا يجب أن نكون منتبهين للحاضر وتحدياته، لا أن نكون مقيدين بالسلاسل إلى مفاهيم الماضي أو ملزمين بإرشاد أفكار مستقبل لا يمكننا أن نعرفه أبداً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Middle East: don't rely on the past to predict its future

[email protected]

التعليق